السؤال :
ما معنى هذه العبارة : (سيئة هذا الرجل تغوص في بحر حسناته)؟ وهل هي عبارة إرجاء ، وادعاء لعلم الغيب أن حسنات هذا الرجل قد قبلت؟

الجواب :

الحمد لله

تطلق هذه العبارة وما في معناها على رجل صالح أو عالم زل في مسألة ، أو وقع منه ما
لم يحمد عليه ، أو كانت له هفوة حفظت عنه ، فيراد بهذه العبارة الدفاع عنه ، وعدم
النيل منه للهفوة أو الزلة ؛ لأنه معروف بالستر والصلاح ، أو بالعلم ، ومحامده
المحفوظة أكثر بكثير من مذامه أو أخطائه .

فإنه قد يأتي من يتتبع زلات العلماء ، ويتنقصهم بها ، فيقال له : إن سيئة هذا
العالم مغمورة في بحر حسناته .

وهذا كما قال الذهبي رحمه الله في ترجمة شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :


وقد انفرد بفتاوى نيل من عرضه لأجلها ، وهي مغمورة في بحر علمه ، فالله تعالى
يسامحه ويرضى عنه ، فما رأيت مثله ، وكل أحد من الأمة فيؤخذ من قوله ويترك فكان
ماذا ؟ ” انتهى .

“تذكرة الحفاظ” (4/192) .

كما
قال عكس ذلك في ترجمة الحجاج الثقفي :

“وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه ، وأمره إلى الله” انتهى .

“سير أعلام النبلاء” (4/ 343) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

“الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأثير المغلوب المرجوح ، وصار الحكم للغالب دونه
لاستهلاكه في جنبه كما يستهلك يسير النجاسة في الماء الكثير ، والماء إذا بلغ قلتين
لم يحمل الخبث” انتهى .

“طريق الهجرتين” ( ص 563) .

وقال أيضا :

“المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب ، ولا تغفر الذنوب جميعها إلا بالتوبة أو بحسنات
تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب ، فهي كالبحر لا يتغير بالجيف” انتهى .

“مدارج السالكين” (1/312) .

وقال أيضا :

“من
قواعد الشرع والحكمة أيضا : أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر
فإنه يحتمل له مالا يحتمل لغيره ، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره ؛ فإن المعصية خبث
، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث ، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث ،
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر
فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم) وهذا هو المانع له صلى الله عليه وسلم من
قتل من حس عليه وعلى المسلمين [يعني : تجسس ، ونقل أخباره إلى الأعداء] وارتكب مثل
ذلك الذنب العظيم ، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدرا ، فدل على أن مقتضى
عقوبته قائم ، لكن منع من ترتب أثره عليه ما له من المشهد العظيم ، فوقعت تلك
السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات .

وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم : أن من له ألوف من الحسنات فإنه يسامح
بالسيئة والسيئتين ونحوها … كما قيل :

     وإذا الحبيب أتى بذنب واحد    جاءت محاسنه بألف شفيع

وقال آخر :

     فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا     فأفعاله اللاتي سررن كثير” انتهى .

“مفتاح دار السعادة” (1/176-177) .

وليست هذه العبارة وأمثالها من الإرجاء في شيء ؛ فإن أصل بدعة الإرجاء في قولهم :
إن الإيمان تصديق بالقلب فقط ، وبعضهم يزيد على ذلك الإقرار باللسان ، ولا يشترط له
العمل الصالح ، ولا تضره المعصية مهما كانت .

كما
أن هذه العبارة وأشباهها ليست من ادعاء الغيب ؛ فإن الناس يشهدون على الرجل بصلاحه
أو فساده بما يظهر لهم من فعله ، وليس هذا من ادعاء علم الغيب ، إنما الغيب فيما له
عند الله ، وهل قبلت أعماله أو ردت عليه ؟ وهل هو من أهل الجنة أو من أهل النار ؟
ونحو ذلك .

والمقصود من هذه العبارة أن حسنات الرجل الظاهرة كثيرة ، تستهلك فيها هفوته أو
هفواته اليسيرة ، كما تستهلك النجاسة اليسيرة في الماء الكثير ، وليس معناها أن
حسناته قد قبلت منه ؛ فإن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله .

والله أعلم .