السؤال:
ما هي آيات السكينة ، ونريد أن نفهم لم تقال ، وفيم تقال ؟


الجواب :

الحمد لله

السكينة هي الطمأنينة التي يلقيها الله في قلوب عباده ، فتبعث على السكون والوقار ،
وتثبت القلب عند المخاوف ، فلا تزلزله الفتن ، ولا تؤثر فيه المحن ، بل يزداد
إيمانا ويقينا .

وقد
ذكرها الله عز وجل في ستة مواضع من كتابه الكريم ، كلها تتضمن هذه المعاني من
الجلال والوقار الذي يهبه الله تعالى موهبة لعباده المؤمنين ، ولرسله المقربين .

يقول ابن القيم رحمه الله في شرح منزلة ” السكينة ” من منازل السالكين إلى الله :


هذه المنزلة من منازل المواهب ، لا من منازل المكاسب ، وقد ذكر الله سبحانه السكينة
في كتابه في ستة مواضع :

الأولى : قوله تعالى : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) البقرة/248.

الثاني : قوله تعالى : ( ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) التوبة/26.

الثالث : قوله تعالى : ( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
تَرَوْهَا) التوبة/40.

الرابع : قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ
الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) الفتح/4.

الخامس : قوله تعالى : ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ
السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) الفتح/18.

السادس : قوله تعالى : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ
الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى
رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) الفتح/26.

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور : قرأ آيات السكينة .
وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له في مرضه تعجز العقول عن حملها ، من محاربة أرواح
شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة ، قال : فلما اشتد علي الأمر قلت لأقاربي
ومن حولي : اقرأوا آيات السكينة ، قال : ثم أقلع عني ذلك الحال ، وجلست وما بي
قَلَبَة .

وقد
جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرد عليه ، فرأيت لها تأثيرا
عظيما في سكونه وطمأنينته .

وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند
اضطرابه من شدة المخاوف ، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ، ويوجب له زيادة الإيمان
، وقوة اليقين ، والثبات ، ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين
في مواضع القلق والاضطراب كيوم الهجرة ، إذ هو وصاحبه في الغار ، والعدو فوق رءوسهم
، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما ، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس
الكفار لا يلوي أحد منهم على أحد ، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم
الكفار عليهم ، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس ، وحسبك بضعف عمر رضي
الله عنه عن حملها ، وهو عمر ، حتى ثبته الله بالصدِّيق رضي الله عنه .

وفي
الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : رأيت النبي ينقل من تراب الخندق
حتى وارى التراب جلدة بطنه وهو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه :

اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا

إن
الألى قد بغوا علينا … وإن أرادوا فتنة أبينا

وفي
صفة رسول الله في الكتب المتقدمة : إني باعث نبيا أميا ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا
صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوال للخنا ، أسدده لكل جميل ، وأهب له
كل خلق كريم ، ثم أجعل السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة
معقوله ، والصدق والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق
شريعته ، والهدى إمامه ، والإسلام ملته ، وأحمد اسمه ” انتهى باختصار.


مدارج السالكين ” (2/502-504)

فمن
قرأ آيات السكينة في مواقف الخوف والفزع ، أو في مواقف الشبهات والفتن ، أو عند
الهم والحزن ، أو عند اشتداد وسواس الشيطان ، يقرؤها رجاء أن يثبت الله قلبه بما
ثبت به قلوب المؤمنين فلا حرج عليه ، ورجي أن يكون له ذلك ، كما كان لشيخ الإسلام
ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، ولكن على ألا ينسب استحباب قراءة هذه الآيات ـ وبهذه
الكيفية ـ إلى الشريعة ، ولا يتخذه عبادة تشبه عبادة الأذكار والأدعية الشرعية
الثابتة في الكتاب والسنة .

 

والله أعلم .