الجواب :
الحمد لله
أولا :
هذا القسم الذي يقسمه الطبيب قبل مزاولة مهنة الطب هو تعهد أمام الله أن يراقب الله
تعالى في مهنته ، وأن يصون حياة الإنسان ، باذلا وسعه في ذلك ، وأن يستر عورات
الناس ويكتم أسرارهم ، وأن يراعي حق الزمالة في العمل . ولا يظهر حرج في ذلك في
الجملة ، لكن الواجب على الطبيب أن يسعى في حفظ العهد ، وأداء الأمانة ، قدر طاقته
.
ثانيا :
كل طبيب حديث التخرج في العادة ليس لديه الخبرة الكافية ، ولذا : فعليه مراعاة عدة
أمور :
– أن يتقي الله في عمله ويستعين به ويتوكل عليه ، ويعلم أنه سبحانه هو الشافي ، وأن
الطب والعلاج ما هو إلا سبب ، إن شاء الله قدر به الشفاء والعافية ، وإن شاء قدر
غير ذلك بحكمته وعلمه .
– ألا يقدم على أمر لا يعلمه ، أو لا يحسنه ، ومن تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن ،
فالمتعدي العامد ، والمعالج الجاهل ، والذي يفعل ما لا يفعله غيره من أهل الاختصاص
: ضامن ، وينظر جواب السؤال رقم : (191474)
، (114047) .
– أن يكثر من الاطلاع على البحوث الطبية والدورات العلمية ، ليزداد علما وفهما .
– أن يسأل الأعلم والأكثر خبرة ، ويسترشد برأيه وخبرته ، ولا يتكل على مجرد ما
تعلمه نظريا .
– أن يحسن قدراته وأداءه بمزاولة المهنة في وجود الأعلم والأقدم ، ليتعلم منه ،
وليتقي بوجوده ما عسى أن يقع فيه من أخطاء .
– ليس معنى القول باكتساب الخبرة من أخطائنا أن نهمل التعلم من التجارب السابقة ،
أو نفرط في الاحتراز من الخطأ ، والاجتهاد في بلوغ أقصى ما يمكن من الحيطة وأداء
الأمانة ؛ ولكن المعنى الصحيح لذلك : أن نجتهد ونعمل وفق ما تعلمناه ، وحسب أصول
المهنة ، فإذا وقع خطأ لم نقصده ، تعلمنا منه ، أما المجازفة واللامبالاة : فلا
تقره أصول مهنة شريفة كمهنة الطب ؛ بل لا يقره خلق ولا دين .
– ألا يتحرج من التعلم ولو من الأحدث منه ، أو الأقل خبرة ، فربما فات الأعلم ، ما
لم يفت الأقل علما .
ثالثا:
إذا كانت الإمكانيات الطبية المتوفرة من الأجهزة والأدوية وغير ذلك قليلة ، أو
بمستويات متواضعة : فإن كان ذلك هو الممكن ، ولا يستطاع غيره للحالة المادية أو غير
ذلك : فالاجتهاد بحسب ذلك ، وعمل الممكن : هو المطلوب ، ولا يُسأل الطبيب عما لا
يمكنه فعله ، كما لا يسأل عن تقصير غيره ، ولا عن عدم توفر اللازم ، إنما يسأل عن
الواجب الذي يمكنه فعله ، وعن تقصيره وتفريطه ، أما شيء خارج عن إرادته وإمكاناته
فلا يحاسب عليه ؛ وقد قال الله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )
التغابن/16 .
ولا شك أن استخدام الإمكانيات المتوفرة ، وإن كانت قليلة أو منخفضة المستوى ، أفضل
بكل حال من ترك علاج المريض بالمرة ، وما لا يدرك كله ، لا يترك قُلُّه !!
على أن هذا الكلام ليس قاعدة
عامة في كل حالة تعترض الطبيب ، بل يجب النظر إلى خصوصية كل حالة ، فأحيانا يكون
الضرر المتوقع من التدخل ، أكثر من الفائدة التي تتحقق للمريض منه ، أو يكون ضررا
مزمنا لا يمكن علاجه ، أو نحو ذلك ؛ فمثل هذا يجب التوقف فيه قبل الإقدام عليه ،
وفي الحالات التي يتوقع أن تسبب ضررا بينا ، ويترجح جانب التدخل فيها ، ينبغي
مشاورة المريض ، وإطلاعه على حقيقة الأمر ؛ فكم من أناس حصل لهم أضرار ، أو آثار
جانبية ، نتيجة علاج معين ، أو تدخل طبي معين، كان احتمال آلامهم الأولى ، أخف
عليهم مما حصل لهم من جراء ذلك .
والله تعالى أعلم .
