السؤال:
أقعد أذكر الله من بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قيد رمح ثم أصلي ركعتين ، إلا أن بعض الإخوان يقاطعونني أحياناً بحديث أو سؤال فأتحدث معهم باختصار مجاملة ، فهل هذا يبطل أجر الحجة والعمرة المترتبة على هذا الحديث: ( من صلَّى الفجرَ في جماعةٍ ثمَّ قعدَ يذكرُ اللَّهَ عز وجل حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ ثمَّ صلَّى رَكعتينِ كانت لَه كأجرِ حَجَّةٍ وعُمرةٍ . قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : تامَّةٍ ، تامَّةٍ ) ؟
الجواب :
الحمد لله
أولا :
روى الترمذي (586) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ
اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ
كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ )
وقد تقدم أن هذا الحديث مختلف في صحته .
راجع إجابة السؤال رقم : (95782).
ثانيا :
من السنة الجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد لذكر الله حتى تطلع الشمس – سواء ثبت
الحديث المتقدم أو لم يثبت – .
فقد روى مسلم (670) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى
تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا ).
ورواه الطبراني في “المعجم الصغير” (1189) ولفظه : ( كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ
جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ) وصححه الألباني في “صحيح
الترغيب” (471).
ثالثا :
المشروع أن يشغل المرء هذا الوقت بذكر الله ، كما ثبت في سنة النبي صلى الله عليه
وسلم ، وجرى عليه عمل السلف الصالح .
يكره الكلام بغير ذكر الله في هذا الوقت لأنه وقت ذكر ، فينبغي الانشغال به ،
وبمقدار انشغال الجالس بالذكر يكون أجره .
قال النووي رحمه الله :
” يستحب الذِّكْرِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَمُلَازَمَةُ مَجْلِسِه مَا لَمْ يَكُنْ
عُذْرٌ . قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ سُنَّةٌ كَانَ السَّلَفُ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ
يَفْعَلُونَهَا ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى الذِّكْرِ
وَالدُّعَاءِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ” انتهى بتصرف يسير من “شرح النووي على
مسلم” (15/ 79).
بل قد نص بعض أهل العلم على كراهة الكلام في هذا الوقت، قال القرافي رحمه الله:
” يُكْرَهُ الْكَلَامُ بَعْدَ الصُّبْحِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَ الْفَجْرِ
لِأَنَّهُ وَقْتُ ذِكْرٍ ” انتهى من “الذخيرة” (2/ 401)
.
والظاهر أن مراد من صرح بالكراهة : الانشغال بالكلام عن الذكر ، أو شغل أكثر الوقت
به ، وإلا فالكلام العارض ، أو الذي لا ينشغل به عادة عن الذكر ، ونحو ذلك ، بحيث
لا يكون عادته ، أو الغالب على جلوسه : يرجى ألا يكون به بأس ، وألا تفوته فضيلة
الوقت
؛ لما روى مسلم (670) عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ
سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، (كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي
فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ الْغَدَاةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ
الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ
الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ)
.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله :
” ورخص أصحاب الشافعي في التحدث بأمور الدنيا المباحة في المساجد، وأن حصل معه ضحك
، واستدلوا بما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ..” انتهى من “فتح الباري” (3/345)
.
وقال أيضا :
” وليس فِي هَذَا الحَدِيْث، ولا فِي غيره من أحاديث الباب الاشتراط للجالس فِي
مصلاه أن يكون مشتغلاً بالذكر، ولكنه أفضل وأكمل..” ، ثم قال :
” وفي تمام حَدِيْث جابر بْن سمرة الَّذِي خرجه مُسْلِم وكانوا يتحدثون فيأخذون فِي
أمر الجَاهِلِيَّة، فيضحكون ويتبسم. وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ ينكر عَلَى من
تحدث وضحك فِي ذَلِكَ الوقت ” انتهى من “فتح الباري” (6/42-43) .
وقال القاري رحمه الله :
” قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اسْتِمَاعِ كَلَامٍ مُبَاحٍ
يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: كَلَامُهُمْ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا
عَنِ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُبَاحِ
الْمُجَرَّدِ ” انتهى من “مرقاة المفاتيح” (2/ 756).
راجع للفائدة إجابة السؤال رقم : (170086)
والله أعلم .
