بعض الحجاج والمعتمرين يتهاونون فيما يجب عليهم من الأحكام ؛ فيتجاوزون الميقات من غير إحرام ، مثلا ، أو ربما تركوا بعض الواجبات ، معتمدين على أنهم سوف يذبحون هديا ، يجبر لهم النقص الذي فعلوه ، فما حكم ذلك ؟.
الحمد لله
قد سبق معنا في جواب السؤال رقم (
36522 ) أن أكثر ما يقع فيه الحجاج أو
المعتمرون من أخطاء في مناسكهم ، سببه الجهل بما يجب عليهم من أحكامها . وأما ما
ذكر في هذا السؤال من تعمد بعض الناس ارتكاب المحظور ، أو التفريط فيما يؤمر به ،
اعتمادا على أن الفدية سوف تجبر له ذلك النقص ، فهذا هو الجهل الحقيقي ، وإن كان
صاحبه يظن أن عنده معرفة بما يترتب على فعله , فإنه لا يتجرأ على تعدي حدود الله
إلا ظلوم جهول ، قال الله تعالى : ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
البقرة/229 ، و لا يتجرأ على انتهاك حرمات الله إلا من لم يعظم
شعائر الله حق تعظيمها ؛ قال الله تعالى : ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب ِ) الحج/32 ولأجل
ذلك كان أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقولون : كل ذنب أصابه عبد فهو
بجهالة . وقال مجاهد : كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته . [ تفسير
الطبري 8/89 ] وزيادة على الجهل بما يجب على العبد من تعظيم شعائر
الله ، والوقوف عند حدوده ، وعدم تعديها ، فإن العلم إنما يراد للعمل ، وليس
للتحيُّل به على إسقاط ما فرض الله على العبد ، وانتهاك حرمات الله ، فأين هذا من
قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ
يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) البخاري 1521 ومسلم 1350
، قال ابن حجر : ( “لم يفسق” أي : لم يأت بسيئة ولا معصية )
وقوله ، صلى الله عليه وسلم : ( العُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ
كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا
الْجَنَّةُ ) البخاري 1773 ومسلم 1349
قال ابن حجر : ( قَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ : الْمَبْرُور
الْمَقْبُول , وَقَالَ غَيْره : الَّذِي لا يُخَالِطهُ شَيْء مِنْ الإِثْم ,
وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيّ , وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : الأَقْوَال الَّتِي ذُكِرَتْ
فِي تَفْسِيره مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى , وَهِيَ أَنَّهُ الْحَجّ الَّذِي وُفِّيَتْ
أَحْكَامه وَوَقَعَ موافقاً لِمَا طُلِبَ مِنْ الْمُكَلَّف عَلَى الْوَجْه
الأَكْمَل وَاَللَّه أَعْلَم ) .
على أن هنا شبهة ، ربما كانت هي التي سببت وقوع بعض الناس في ذلك
؛ وهي ظنهم أن الإنسان مخير بين فعل الواجب ، أو ترك المحظور ، وبين بذل الفدية
الواجبة فيه ، من صيام ، أو صدقة ، أو نسك . قال الشيخ ابن عثيمين ، بعد ذكر بعض
المحظورات ، وما فيها من الفدية :
( إن كلامنا هذا فيما يجب على الفاعل ، وليس معنى هذا أن الأمر
سهل وهين ؛ بمعنى أنه إن شاء فعل هذا الشيء وقام بالتكفير والقضاء ، وإن شاء لم
يفعله ، بل الأمر صعب ومحرم ، بل هو من الأمور العظيمة ؛ حيث يتجرأ على ما حرم عليه
؛ فإن الله يقول : ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ
وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) البقرة/197
وفي هذه المناسبة أريد أن أنبه .. على مسألة يظن بعض الناس أن
الإنسان فيها مخير ؛ وهي ترك الواجب والفدية .
يظن بعض الناس أن العلماء لما قالوا : في ترك الواجب دم ، أن
الإنسان مخير بين أن يفعل هذا الواجب ، أو أن يذبح هذا الدم ويوزعه على الفقراء .
مثال ذلك : يقول بعض الناس إذا كان يوم العيد ، سوف أطوف وأسعى ،
وأسافر إلى بلدي ، ويبقى علي المبيت في منى ، ورمي الجمرات ، وهما واجبان من واجبات
الحج ؛ فأنا أفدي عن كل واحد منها بذبح شاة …، والأمر ليس كذلك ؛ ولكن إذا وقع ،
وصدر من الإنسان ترك واجب ، فحينئذ تكون الفدية مكفرة له ، مع التوبة والاستغفار .
) الفتاوى 22/168-169.
