الجواب :
الحمد لله
أولا :
الكذب من صفات المنافقين ، وهو خلق ذميم ، يحضّ على الشر ، ويمنع من الخير ، وقد
روى البخاري (6094) ، ومسلم (2607) عن ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ
فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى
الْجَنَّةِ ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى
يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ
يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا
يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ
كَذَّابًا) .
وأشد الكذب : الكذب على الله ورسوله ، ثم الكذب بين الناس للإفساد بينهم ، واعتياد
الكذب في الحديث من صفات المنافقين ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (
أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ
خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا :
إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ،
وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) رواه البخاري (34) ، ومسلم (58).
والواجب على من كذب – ولو كذبة واحدة – أن يتوب إلى الله تعالى ، فقد روى الترمذي
(1973) عن عائشة قالت : ، ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الكذب ، ولقد كان الرجل يحدث عند النبي صلى الله عليه وسلم بالكذبة فما يزال في
نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة ” وصححه الألباني في “الصحيحة” (2052) .
ثانيا :
هذا الحديث الوارد في السؤال لم نجد له أصلا – بعد البحث – والظاهر أنه مكذوب على
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر العلماء أن من علامات الحديث الموضوع :
المبالغة في ذكر الثواب أو العقاب على عمل من الأعمال ، وهذا الحديث كذلك .
والأصل أن الزنا أشد من الكذب في حديث الناس ، ولهذا جاء مرتبا ، بعد الشرك بالله ،
وقتل النفس في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) النور/68 .
وجاء في الزنا ـ أيضا ـ من العقوبة في الدنيا (الحد) ، والوعيد في الآخرة ، ما لم
يأت مثله في الكذب ، إلا أن بعض أفراد الكذب أشد من الزنا وغيره من الموبقات ،
كالكذب على الله ورسوله ، قال تعالى : ( قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى
اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ) يونس/ 69 .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتواتر : (من كذب علي متعمدا فيتبوأ
مقعده من النار) .
أما القول بأن مطلق الكذب أشد من الزنا : فباطل ، فضلا عن أن يقال : أشد من سبعين
زنية ، أهونها كمن زنى بأمه ؛ فهذا من أسمج المقال ، وأبين الكذب والمحال !!
وأما ما رواه ابن عساكر في “تاريخه” (27/ 241) عن عبد الله بن جراد أنه سأل
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” يا نبي الله هل يزني المؤمن ؟ ، قال: ( قد يكون
ذاك ) .
قال: هل يسرق المؤمن؟ ، قال: ( قد يكون ذاك ) .
قال: هل يكذب المؤمن؟ قال: ( لا ، إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ) ” .
فحديث باطل ، في إسناده يعلى بن الأشدق ، قال ابن حبان: وضعوا له أحاديث فحدث
بها ولم يدر ، وقال أبو زرعة: ليس بشيء ؛ لا يصدق.
“ميزان الاعتدال” (4/ 457)
وذكره الألباني في الضعيفة (5521) وقال : ” موضوع ” .
ومثل ذلك : حديث صفوان بن سليم : ” قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً؟
فَقَالَ: (نَعَمْ) .
فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلاً ؟
فَقَالَ: (نَعَمْ) .
فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّاباً ؟
فَقَالَ: (لاَ) ” .
رواه مالك (3630) وهو مرسل ، وضعفه الألباني في “ضعيف الترغيب والترهيب” (1752).
والخلاصة :
أن هذا الكلام المذكور ليس بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ثم هو كلام باطل في
نفسه ؛ فلا يجوز أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم .
