الجواب :
الحمد لله
لا يجب على المسلم اتباع مذهب بعينه من المذاهب الأربعة أو غيرها ، ولا يجوز لأحد
أن يقلد أحدا في دين الله تعالى ، بحيث لا يخالفه لا في صغير ولا كبير .
وفي ذلك يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في “أضواء البيان في إيضاح القرآن
بالقرآن” (7 / 307): ” وَأَمَّا نَوْعُ التَّقْلِيدِ الَّذِي خَالَفَ فِيهِ
الْمُتَأَخِّرُونَ الصَّحَابَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ
بِالْخَيْرِ، فَهُوَ تَقْلِيدُ رَجُلٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ دُونَ غَيْرِهِ ، مِنْ
جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّقْلِيدِ لَمْ يَرِدْ
بِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْقُرُونِ
الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْخَيْرِ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ،
فَلَمْ يُقِلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْجُمُودِ عَلَى قَوْلِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ
دُونَ غَيْرِهِ، مِنْ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
فَتَقْلِيدُ الْعَالِمِ الْمُعَيَّنِ مِنْ بِدَعِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ ، وَمَنْ
يَدَّعِي خِلَافَ ذَلِكَ ، فَلْيُعَيِّنْ لَنَا رَجُلًا وَاحِدًا مِنَ الْقُرُونِ
الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ، الْتَزَمَ مَذْهَبَ رَجُلٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ ، وَلَنْ
يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ أَبَدًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْبَتَّةَ ” انتهى .

وقد كان الأئمة رضوان الله
عليهم ينهون عن تقليدهم فقد قال الإمام أحمد : ” لَا تُقَلِّدْنِي وَلَا تُقَلِّدْ
مَالِكًا وَلَا الثَّوْرِيَّ وَلَا الْأَوْزَاعِيَّ ، وَخُذْ مِنْ حَيْثُ أَخَذُوا”
، وَقَالَ أيضا : “مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ دِينَهُ
الرِّجَالَ” انتهى من ” إعلام الموقعين عن رب العالمين ” (2 / 139).

وقد سئل شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله :
” ما تقول السادة العلماء أئمة الدين – رضي الله عنهم أجمعين – في رجل سئل : إيش
مذهبك؟ فقال: (محمدي) ؛ أتبع كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم .
فقيل: ينبغي لكل مؤمن أن يتبع مذهبا ، ومن لا مذهب له فهو شيطان .
فقال: إيش كان مذهب أبي بكر الصديق والخلفاء بعده – رضي الله عنهم -؟
فقيل له: لا ينبغي لك إلا أن تتبع مذهبا من هذه المذاهب ؛ فأيهما المصيب ؟ ” .
فأجاب:
” الحمد لله ، إنما يجب على الناس طاعة الله والرسول .
وهؤلاء ـ أولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله : {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولي الأمر منكم} ـ : إنما تجب طاعتهم تبعا لطاعة الله ورسوله ، لا استقلالا ، ثم
قال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم
الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} .
وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله ، من أي
مذهب كان ، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول
، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم
، في كل ما يوجبه ويخبر به ؛ بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
واتباع شخص ، لمذهب شخص بعينه ، لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته : إنما هو مما
يسوغ له ، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق ؛ بل
كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع ، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله ؛ فيفعل
المأمور ، ويترك المحظور. والله أعلم” انتهى من “مجموع الفتاوى” (20/208-209) .

وقد سبق في الموقع بيان أن
القادر على الاستنباط من الكتاب والسنة : يأخذ منهما كما أخذ من قبله ، ولا يجوز له
أن يقلد أحدا ، بل يأخذ بما يعتقد أنه حق ، ويجوز له التقليد فيما عجز عنه ، واحتاج
إليه. فليراجع ذلك في جواب السؤال رقم : (21420).

وأما قوله تعالى ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) النساء/ 59 .
فليس فيه ما يدل على تقليد الأئمة الأربعة ، بل فيه الأمر بطاعة الله تعالى ورسوله
الكريم وطاعة ولاة الأمر ، وولاة الأمور هم الأمراء الذين يحكمون بما أنزل الله ،
والعلماء والفقهاء المتبعون لأمر الله جل وعلا ، دون تخصيص ذلك بعالم معين ، قال
البغوي في تفسيره (2 / 239): ” اخْتَلَفُوا فِي (أُولِي الْأَمْرِ) قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ
الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَالِمَ دِينِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ
وَالضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ، وَدَلِيلُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النِّسَاءِ -83) . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ
الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ،
وَيُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى الرَّعِيَّةِ أَنْ
يَسْمَعُوا وَيُطِيعُوا” انتهى.

وأما قوله تعالى : ( فَإِنْ
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )
فالمخاطب به كل من كانت له أهلية النظر في الأدلة، أما من لم تكن عنده أهلية النظر
، فعليه سؤال أهل العلم والعمل بفتاواهم .
قال الآمدي في “الإحكام في أصول الأحكام” (4 / 228): ” العامي ، ومن ليس له أهلية
الاجتهاد، وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد : يلزمه اتباع قول
المجتهد ، والأخذ بفتواه عند المحققين من الأصوليين ” انتهى.

والله أعلم.