السؤال:
قرأت في فتوى لكم أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه تزوج ٧٠ امرأة ، وكان يجمع ٤ مع بعضهم ثم يطلقهم مرة واحد ؟ أليس هذا خطأ من ناحية أنه يطلقهم دون سبب شرعي ، وكيف له أن يربي أولاده وهو متزوج ٧٠ امرأه ؟ فهل يجوز أن نقول عنه مخطئ ؟
الجواب :
الحمد لله
أولا :
زواج المغيرة بن شعبة رضي الله عنه بسبعين امرأة أو أكثر : ثابت عنه ، رواه البيهقي
في “سننه” (7/ 136) عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ
بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ” تَزَوَّجْتُ سَبْعِينَ أَوْ بِضْعًا
وَسَبْعِينَ امْرَأَةً ” . وهذا إسناد صحيح ، انظر: “سلسلة الأحاديث الصحيحة” (1/
198).
وهذا لا يعاب به ، وإنما يحمد عليه ، لأنه من تمام فحولته وفتوته ، ثم هو يحصن
النساء الحرائر ، ويبتغي الحلال ، ويطلب الأبناء الذين يجاهدون في سبيل الله
وينصرون الله ورسوله ، ويكثر الأمة امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وغير
ذلك من المصالح الكثيرة التي يحمد عليها ، رضي الله عنه .
وقد طاف نبي الله سليمان عليه السلام على تسعين امرأة يبتغي بذلك أن تلد كل
امرأة منهم غلاما يجاهد في سبيل الله . رواه البخاري (6639) .
فأي لوم أو عتب على المغيرة فيما فعل من ذلك ؟!
أما كيف يربي أولاده ؟
فقد ربَّى الصحابة رضي الله عنهم أولادهم وطلابهم أحسن تربية ، فخرج منهم العلماء
والقراء والمجاهدون في سبيل الله .
حتى كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء والصحابة ، بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم ،
كما في قوله : (خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم) رواه البخاري
( 2652 ) ، ومسلم ( 2533 ) .
والصحابة رضي الله عنهم كانوا أعقل الناس وأتقى الناس لله ، وأعلمهم بشريعته ،
وأعلم الناس بمصالحهم ومصالح أولادهم .
ومن كان كذلك فهو جدير بأن يوفقه الله تعالى ويسدده ويصلح له أولاده ، قال الله
تعالى : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ
اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) الطلاق/2،
3 وفي الآية التي بعدها: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ
يُسْراً ) الطلاق/4.
وليس حسن تربية الأولاد مرتبطا بقلة عددهم ، كما يظهر لك ذلك جليا إذا قلبت نظرك
فيمن حولك ممن رزقهم الله أولادا كثيرين أو قليلين .
على أنه ينبغي التنبه إلى الدور التربوي للمجتمع في ذلك الوقت ، فقد كان المجتمع
فاضلا ، (أفضل مجتمع في البشرية على الإطلاق) فكان هذا المجتمع يؤثر بدور عظيم في
التربية ، فيتربى الأولاد على محبة الله ورسوله وطاعتهما ، ونصرة هذا الدين ،
والجهاد في سبيل الله ، ومحبة العلم الشرعي ، وتعظيم حرمات الله ، وكراهة الكفر
والفسوق والعصيان ، مع الكرم والشهامة والنبل والمروءة والأمانة ،وحسن الخلق ،
وواقعهم رضي الله عنهم يشهد بذلك .
ثم أحوال الناس في عاداتهم ، وأمور معايشهم : على اليسر في الأمر ، والسداد ،
وقِوام العيش؛ لم تكن في شيء من تعقيدات أوضاع الناس الاجتماعية والاقتصادية ،
والتربوية ـ تبعا لذلك كله.
ثالثا :
أما ما ذكر من كونه رضي الله عنه كان يطلق نساءه بدون سبب : فغير ثابت عنه .
فقد رواه ابن عساكر في “تاريخ دمشق” ، وفي إسناده أبو بكر الهذلي ، وقد ضعفه الإمام
أحمد والجوزجاني ، وقال عنه النسائي : متروك الحديث ، وقال الدارقطني : منكر الحديث
متروك .
انظر : “ميزان الاعتدال” للذهبي (7/334) ، “أحوال الرجال” للجوزجاني (1/22) ،
“الضعفاء والمتروكين” للنسائي (1/46) ، “الضعفاء والمتروكين” لابن الجوزي (2/12) .
فإذا لم يثبت ذلك عنه لم يجز أن يقال : إنه أخطأ في هذا ، لأن حسن الظن بالصحابة
رضي الله عنهم ، يقتضي أنه لم يكن يطلق إلا لسبب .
والغالب في أسباب الطلاق ، أنها تكون أسبابا خاصة لا يذكرها الزوج ، لاسيما مع
مكارم الأخلاق التي كان القوم يتحلون بها ، رضي الله عنهم ، فلا يقوم أحدهم بذكر
عيوب امرأته وغيبتها والتشهير بها أمام الناس .
ولذلك لم نطلع على أسباب طلاقه ، كما لم نطلع على أسباب طلاق غيره من الصحابة ،
إلا في قضايا يسيرة جدا أو نادرة ، وصلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فذكرت
فيها الأسباب ، كقضية الخلع بين ثابت بن قيس وامرأته .
وهبه قد ثبت ذلك عنه ، تأول فيه أمرا يسعه ، أو عذار يسوغ لمثله ؛ فهل من
الإنصاف في شيء : أن نعتب على أمر لم نقف على حقيقته ، ولم يبين لنا وجهه ، بإسناد
تقوم به الحجة ، وينقطع به العذر ؟!
وهذا الإنصاف ، والعدل ، وحسن الظن ، وترك العجلة : إنما يكون في آحاد الناس ، ممن
ثبتت عدالته ، أو تقارب أمره ؛ فكيف بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وذوي
الهيئات من الناس ؟!
لا شك أنه في حقهم : آكد ، وألزم .
والله أعلم .
