السؤال :
هل عدم زيارة قبر الوالدين يعتبر من العقوق؟


الجواب :

الحمد لله

أولا :

زيارة القبور سنة مشروعة في حق الرجال ، بقصد الاتعاظ والاعتبار والدعاء لموتى
المسلمين ؛ لما رواه مسلم (977) عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ
عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ ) .

قال
النووي رحمه الله :


أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زِيَارَتهَا سُنَّة للرِّجَال ” انتهى .

وقال الشيخ الفوزان حفظه الله :


زيارة القبور مشروعة في حق الرجال دون النساء بقصد الدعاء للأموات والاستغفار لهم
والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين ، وبقصد الاتعاظ والاعتبار وتليين القلوب بمشاهدة
القبور وأحوال الموتى ” انتهى .

“المنتقى من فتاوى الفوزان” (41 / 15)

وقال ابن عثيمين رحمه الله :

إذا
زار الإنسان القبور فليزرها متعظاً لا عاطفة ، فبعض الناس يزور قبر أبيه أو قبر أمه
عاطفة وحناناً ومحبة ، وهذا وإن كان من طبيعة البشر ، لكن الأولى أن تزورها للعلة
التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام ، وهي تذكر الآخرة وتذكر الموت ، هؤلاء الذين
في القبور الآن هم كانوا بالأمس مثلك على ظهر الأرض ، والآن أصبحوا ببطنها مرتهنين
بأعمالهم ، لا يملكون زيادة حسنة ولا إزالة سيئة ، فتذكر ” انتهى .

“دروس وفتاوى الحرم المدني” (ص51)

ويشترط لجواز زيارة القبور : ألا يسافر إليها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا
تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى )
متفق عليه .

قال
علماء اللجنة الدائمة :

“تشرع زيارة القبور للرجال دون النساء إذا كانت في البلد – أي : بدون شد رحل –
للعبرة والدعاء لهم إذا كانوا مسلمين ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : ( كنت نهيتكم
عن زيارة القبور فزوروها ، فإنها تذكركم الآخرة ) ” انتهى .

“فتاوى اللجنة الدائمة” (1 / 434)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

“لا
يجوز للإنسان أن يشد الرحل لزيارة قبر من القبور أياً كان صاحب هذا القبر” انتهى .

“فتاوى نور على الدرب” (7/ 196) .

ثانياً :

بر
الوالدين يستمر بعد موتهما وذلك بالدعاء لهما ، وصلة قرابتهما ، وإنفاذ وصيتهما ،
وإكرام صديقهما ، والصدقة عنهما ، والحج والعمرة إن كانا لم يحجا ولم يعتمرا ،
وقضاء الدين عنهما ، وإيفاء الحقوق التي عليهما لأصحابها .

قال
علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

“دلت السنة على مشروعية بر الوالدين بعد وفاتهما ؛ بالدعاء لهما وتنفيذ وصيتهما
وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما ” انتهى .

“فتاوى اللجنة الدائمة” (25 / 182) .

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :

“من
بر الوالدين : الصدقة عنهما ، والدعاء لهما ، والحج والعمرة عنهما” انتهى .

“مجموع فتاوى ابن باز” (8 / 344) .

وقال رحمه الله :


خمسة أشياء : (الصلاة عليهما) : الدعاء ، ومن ذلك صلاة الجنازة .

والصلاة عليهما : الترحم عليهما أحق الحق ، ومن أعظم البر في الحياة والموت .

وهكذا الاستغفار لهما ، وسؤال الله أن يغفر لهما سيئاتهما ، هذا أعظم برهما حيين
وميتين . وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، الوصية التي يوصيان بها ، فالواجب على الولد
ذكرا كان أو أنثى إنفاذها إذا كانت موافقة للشرع المطهر .

والخصلة الرابعة (إكرام صديقهما) إذا كان لأبيك أو لأمك أصدقاء وأحباب وأقارب فتحسن
إليهم ، وتقدر لهم صحبة وصداقة والديك ، ولا تنس ذلك ، بالكلام الطيب ، والإحسان
إذا كانا في حاجة إلى الإحسان ، وجميع أنواع الخير الذي تستطيعه ، فهذا برهما بعد
وفاتهما .

والخصلة الخامسة : ( صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ) وذلك بالإحسان إلى أعمامك
وأقارب أبيك ، وإلى أخوالك وخالاتك من أقارب أمك ، هذا من الإحسان بالوالدين ، وبر
الوالدين أن تحسن إلى أقارب والديك الأعمام والعمات وأولادهم ، والأخوال والخالات
وأولادهم . الإحسان إليهم وصلتهم كل ذلك من صلة الأبوين ومن إكرام الوالدين ” انتهى
.

“مجموع فتاوى ابن باز” (25 / 368-369) .

أما
زيارة القبر فليست شرطا في بر الوالدين ، فبإمكان الولد أن يبر والديه بالدعاء
وغيره وهو بعيد عنهما .

وقد
سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

والدي متوفى منذ فترة طويلة وهو بعيدٌ عني ولا أستطيع أن أقوم بزيارته إلا بعد
السنتين أو الثلاثة ، فهل باستطاعتي أن أبره بشيء وأنا بعيدٌ عنه ؟

فأجاب :


المقصود بزيارة الموتى هو الدعاء لهم ، والدعاء لهم واصلٌ في أي مكانٍ كان الداعي
فيه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا
من ثلاث : صدقة جارية ، أو علمٌ ينتفع به ، أو ولدٌ صالحٌ يدعو له ) فأنت ادع الله
لوالدك في أي مكانٍ : بعيداً كنت أم قريباً ، ولا حاجة إلى زيارة قبره .

نعم
، لو كنت في نفس البلد جئت لحاجة وذهبت تزور أباك فلا بأس به ، أما أن تشد الرحل
إلى قبره لتزوره فهذا منهيٌ عنه ” انتهى .

“نور على الدرب” (7/196)

 

والله أعلم .