السؤال:
سمعت أن من مات بسبب السرطان أو حرقاً أو غرقاً فإنه يدخل الجنة ، فهل هذا صحيح ؟ فإني أعرف شخصاً قضى حياته مدخناً ثم مات بسبب سرطان في الحلق ، ولكن الأطباء لم يقولوا إن السرطان الذي أصابه هو بسبب التدخين .


الجواب :

الحمد لله

أولاً:

ثبت في صحيح السنَّة أنواع من الشهداء لهم منازل الشهداء في الآخرة ، وهذا من فضل
الله تعالى ورحمته .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الشُّهَدَاءُ
خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ
وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) .

رواه البخاري ( 2674 ) ومسلم ( 1914 ) .

وعن جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ
أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( مَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ؟
) قَالُوا : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ . الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ . وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ . وَصَاحِبُ ذَاتِ
الْجَنْبِ شَهِيدٌ . وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ . وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ .
وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ . وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ
شَهِيدٌ ) .

رواه أبو داود ( 3111 ) والنسائي ( 1846 )  ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ”
.

قال
الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :

قال
ابن التين : هذه كلها ميتات فيها شدة ، تَفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه و
سلم بأن جعلها تمحيصاً لذنوبهم ، وزيادة في أجورهم ، يبلغهم بها مراتب الشهداء .


فتح الباري ” ( 6 / 44 ) .

وانظر شرح الحديثين في جوابي السؤالين : (

45669
) و (

10903
) .

وقد
جعل بعض العلماء ” المرض ” داخلاً في تلك الأنواع ، ولم يصحَّ في ذلك حديث عن النبي
صلى الله عليه وسلم ، وما استدلوا به فهو ضعيف جدّاً أو موضوع ، وهو :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ
وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنْ الْجَنَّةِ ) .

رواه ابن ماجه ( 1615 ) وحكم عليه ابن الجوزي والألباني بالوضع ، كما في ” السلسلة
الضعيفة ” ( 4661 ) .

 

ثانياً:

من
مات بمرض ” السرطان ” فقد مال بعض أهل العلم إلى أنه يدخل في أنواع الشهداء الوارد
ذكرهم في الحديث ، على اعتبار أن ” المبطون ” عام لكل من مات بداء في بطنه ، وأن
ذلك ليس خاصا بداء معين .

قال
النووي رحمه الله :

“وَأَمَّا ( الْمَبْطُون ) فَهُوَ صَاحِب دَاء الْبَطْن , وَهُوَ الْإِسْهَال .
قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي بِهِ الِاسْتِسْقَاء وَانْتِفَاخ
الْبَطْن , وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي تَشْتَكِي بَطْنه , وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي
يَمُوت بِدَاءِ بَطْنه مُطْلَقًا ” . انتهى . ” شرح صحيح مسلم ” للنووي .

 

لكن
ينبغي أن ينتبه إلى أن ذلك الإلحاق مقيد بشرطين :

الأول : أن يكون موضع السرطان في ” البطن ” ، فيصدق عليه أنه ” مبطون ” .

سئل
الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله – :

هل
يدخل من يموت بالسرَطان في ” المبطون ” ؟ .

فأجاب :

لا
؛ لأن السرطان لا يكون دائماً في البطن ، فقد يكون في غير البطن
.


شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 230 ) .

وبما أن صاحبك كان موضع السرطان في ” حلقه ” فهو غير داخل في أي نوع من أنواع أولئك
الشهداء .

الثاني : أن لا يكون ذلك المرض بسبب تناوله الدخان أو المخدرات أو الخمور ، وغيرها
من المحرمات ، إلا أن يكون قد تاب من ذلك توبة نصوحاً ، وامتنع عن تناول تلك
المحرمات .

وهذا الشرط عام في كل من ذُكر في الحديث ، فالحامل من زنا وتموت في الطلق ليست من
الشهداء ، والغريق إذا ركب البحر لمعصية أو فجور ومات غرقاً ليس من الشهداء ، وهكذا
من تهدم عليه حائط وهو يزني أو يشرب الخمر لا يكون من الشهداء ، وقد ذكرنا في جواب
السؤال رقم (

45669
) عن علماء اللجنة الدائمة أن مات نتيجة حادث سيارة وهو داخلها أنه يدخل
في ” صاحب الهدم ” فيكون شهيداً بإذن الله ، لكن ذلك لا ينطبق على أولئك الشباب
المتهورين الذين حصل معهم هذا وهم ” يفحطون ” بسياراتهم ، ولا على أولئك المتسابقين
في ظروف صعبة في الجبال والأودية وعلى الثلوج .

وفي
جواب السؤال رقم (

22140
) نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الغريق العاصي في ركوبه البحر لا
يكون شهيداً .

وقال – رحمه الله – في موضع آخر :

ومن
أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها ، فإن
لم يكف فيكون أعان على نفسه ، فلا يكون شهيداً .


الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 381 ) .

وقال السيوطي – رحمه الله – :

قال
القرطبي : وهذا والذي قبله – أي : صاحب الهدم والغريق – إذا لم يغررا بنفسيهما ،
ولم يهملا التحرز ، فإن فرَّطا في التحرز حتى أصابهما ذلك : فهما عاصيان .


الديباج على مسلم ” ( 4 / 508 ) .

وفي
” الموسوعة الفقهية ” ( 26 / 273 ، 274 ) :

واستثني من الغريب : العاصي بغربته ، ومن الغريق : العاصي بركوبه البحر ، كأن كان
الغالب فيه عدم السلامة ، أو ركوبه لإتيان معصية من المعاصي ، ومن الطلْق : الحامل
بزنى” . انتهى .

وإذا كان شهيد المعركة الذي يُقتل بالسيف ، إن كان قاتل عصبية أو حمية أو رياء ، لا
يكون له فضل الشهداء ولا مرتبتهم ، فأولى أن لا يكون لأولئك ذلك الأجر الجزيل .

 

والخلاصة :

أن
مرض السرطان بحد ذاته لا يدخل الميت بسببه في أنواع الشهداء ، إلا أن يكون المرض في
بطنه ، وأن ذلك ليس منصوصا في الحديث ، وإنما هو اجتهاد لبعض أهل العلم في فهم معنى
” المبطون ” ، وأن من كان مرضه بسبب الدخان أو غيره ، ومات منه قبل التوبة ، فلا
يكون شهيداً بذلك ، ولو كان موضع المرض في بطنه ، فإن كان المرض في بطنه ولم يكن
بسبب فعل محرَّم ، رجونا له كان له منزلة الشهداء في الآخرة ، إن شاء الله .

 

والله أعلم