السؤال :
هل هناك حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن عقوبة من يتحاشى الناس مقابلته خوفاً من سلاطة لسانه وبذاءة كلامه ؟
الجواب :
الحمد لله
روى البخاري (6131) ومسلم (2591) عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : (ائْذَنُوا لَهُ ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ
أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ) [الْمُرَاد بِالْعَشِيرَةِ قَبِيلَته , أَيْ
بِئْسَ هَذَا الرَّجُل مِنْهَا] .
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ .
قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ
، قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ .
قَالَ : (يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ
مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ
النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) .
(اتقاء فحشه) أي لأجل قبيح قوله وفعله .
وفي لفظ للبخاري (6032) : (يَا عَائِشَةُ مَتَى
عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ) .
قال ابن حجر: “قَوْله : (اِتِّقَاء شَرّه) أَيْ
قُبْح كَلَامه”.
وعند أبي داود بإسناد صحيح (4792) بلفظ : (يَا
عَائِشَةُ ، إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ الَّذِينَ يُكْرَمُونَ اتِّقَاءَ
أَلْسِنَتِهِمْ) .
قَالَ الْقَاضِي عياض : “هَذَا الرَّجُل هُوَ
عُيَيْنَة بْن حِصْن , وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ , وَإِنْ كَانَ قَدْ
أَظْهَرَ الْإِسْلَام , فَأَرَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ
يُبَيِّن حَاله لِيَعْرِفهُ النَّاس , وَلَا يَغْتَرّ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِف حَاله
… وَكَانَ مِنْهُ فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَبَعْده مَا دَلَّ عَلَى ضَعْف إِيمَانه , وَارْتَدَّ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ ,
وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ .
وَوَصْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَهُ بِأَنَّهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَة مِنْ أَعْلَام النُّبُوَّة ;
لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَمَا وَصَفَ , وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْل تَأَلُّفًا لَهُ
وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَام” انتهى ، نقله عنه النووي في “شرح صحيح مسلم” .
وقال النووي : “وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُدَارَاة
مَنْ يُتَّقَى فُحْشه … وَلَمْ يَمْدَحهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ , وَلَا ذَكَرَ أَنَّهُ أَثْنَى عَلَيْهِ فِي وَجْهه وَلَا فِي قَفَاهُ ,
إِنَّمَا تَأَلَّفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ لِين الْكَلَام” انتهى ، “شرح
صحيح مسلم” (16/144) .
وفي هذا الحديث بيان خطورة فحش الكلام ، وأن من
أكثر منه حتى تحاشاه الناس خوفاً من شر لسانه فهو بشر المنازل عند الله .
“فشر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء
فحشه ، لا تراه إلا متلبساً بجريمة ، ولا تسمعه إلا ناطقاً بالأقوال الأثيمة .
فعينه غمازة ، ولسانه لماز ، ونفسه همازة ، مجالسته
شر ، وصحبته ضر ، وفعله العدوان ، وحديثه البذاءة ، لا يذكر عظيماً إلا شتمه ، ولا
يرى كريماً إلا سبه وتعرض له بالسوء ، ونال منه ، وسفه عليه” انتهى من كتاب “إصلاح
المجتمع” للبيحاني صـ 199 .
وإن الله جل جلاله ليبغض من هذه صفته ، كما قال صلى
الله عليه وسلم : (إِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ) رواه الترمذي
(202) وصححه الألباني .
والله أعلم .
