الجواب :
الحمد لله
ينبغي أن نفرق هنا بين نوعين من الحياة :
الحياة النباتية ، التي يخالف بها الجماد ؛ فينمو ويزيد بوجودها
، أو يذبل ويموت بفقدها ، وهذه حياة خاصة ، لا ترتبط بوجود
الروح فيه .
والحياة الحيوانية : وهي التي ترتبط بنفخ الروح فيه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” والحياة نَوْعَانِ : حَيَاة الْحَيَوَان ، وحياة النَّبَات ؛
فحياة الْحَيَوَان خاصتها الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية ، وحياة
النَّبَات النمو والاغتذاء ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (21/98)
.

إذا تبين ذلك : فالحياة الحيوانية هي الحياة
التي تختص بنفخ الروح ، وأما الحياة النباتية فليس فيها نفخ
للروح .
والجنين في بطن أمه حياته من جنس حياة النبات ، فهو ينمو ،
ويتغذى ، ويتحرك حركة لا إرادية ، من جنس حركة بعض النباتات ،
كدوار الشمس ، أو تفتح البراعم ، ونحو ذلك .
وأما بعد نفخ الروح ، فإنه يتحرك الحياة الحيوانية الإرادية
.
فالحركات اللاإرادية تدل على وجود نمو للجنين ، لكنها ليست
دليلاً على نفخ الروح فيه ، بخلاف الحركات الإرادية فإنها لا
تكون إلا بعد وجود الروح في بدنه .
كما أنه ليس هناك علاقة بين نبض قلب الجنين والخلاف القائم بين
العلماء في وقت نفخ الروح في الجنين ؛ لأن نبض قلب الجنين يبدأ
في اليوم الثاني والعشرين من التلقيح ! والذين يخالفون الجمهور
في وقت نفخ الروح في الجنين يقولون إنه تُنفخ الروح في اليوم
الأربعين فما بعده ، وهذا يؤكد ما قلناه من أن نبض قلب الجنين
هو من الحركات اللاإرادية ، وهي التي تدل على النمو لا على وجود
الروح ، والعلماء والأطباء يستدلون على حياة الجنين بالحركات
الإرادية فحسب .
قال ابن القيم – رحمه الله – : ” فإن قيل : الجنين قبل نفخ
الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا ؟ قيل : كان فيه حركة
النمو والاغتذاء كالنبات , ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالإرادة
, فلما نُفخت فيه الروح انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه
واغتذائه ” انتهى من ” التبيان في أقسام القرآن ” ( ص 218 )
.
وهذا الذي قاله ابن القيم رحمه الله يؤكده الأطباء المعاصرون
.
قال الدكتور محمد علي البار – وفقه الله – : ” الجنين قبل نفخ
الروح فيه كانت فيه حركة النمو والاغتذاء ، بل إن القلب ينبض
ويعمل منذ اليوم الثاني والعشرين منذ التلقيح ! وتبدأ الدورة
الدموية عملها منذ تلك اللحظة ، ومع هذا لم يقل أحد من علماء
الإسلام إن الروح قد نفخت في هذا الجنين في هذه الفترة …
.
وما يهمنا ها هنا هو التأكيد على أن الفقهاء لم يجعلوا الحركة
الاضطرارية دليلا على وجود الروح ، بل على العكس من ذلك ، كما
أنهم لم يجعلوا انتظام نظم القلب وضرباته ووجود الدورة الدموية
في الجنين دليلاً على نفخ الروح فيه ، بل اعتبروا ذلك كله
بمثابة النبات أو الحيوان وليس فيه أي دليل على نفخ الروح في
الجنين … .
وهذا دليل قوي على عدم اعتبارهم للدورة الدموية كدليل على وجود
الروح ؛ إذ يمكن أن تكون هناك دورة دموية كاملة والقلب ينبض دون
وجود الروح ، وهذا بالضبط ما يقوله الأطباء حيث إن القلب يمكن
أن يستمر في النبض والدورة الدموية بمساعدة العقاقير والأجهزة
وبوجود منفسة تقوم بعملية التنفس ، ولا يعد الشخص في تلك الحالة
حيّاً بل هو ميت إذا مات دماغه بشروط معينة لا بد من توافرها في
تشخيص موت الدماغ ” انتهى من بحث بعنوان ” ما الفرق بين الموت
الإكلينيكي والموت الشرعي ؟ “.

والله أعلم