الجواب :
الحمد لله
يجوز لصاحب العمل أن يضع كاميرات لمراقبة عمل الموظفين تحت إدارته ، بشرط أن يكونوا
على علم بوجود الكاميرات ؛ لئلا يطلع منهم على عورة أو تصرف لا يحتشم فيه أحدهم من
نفسه ، لوثوقه من اختفائه عن أعين الناس .
فإنْ وُضعت الكاميرات دون علمهم كان هذا عين التجسس المنهي عنه ، بنص كتاب الله (
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ
الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ) الحجرات/ 12 .
وبنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا
تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ، وكونوا عباد الله
إخوانا ) . أخرجه البخاري (5144) ، ومسلم (2563) .
والتجسس : البحث عن عيوب الناس وعوراتهم .
والمصلحة التي تطلب من وضع
الكاميرات لضبط الموظفين وحماية المنشأة من اللصوص – تحصل على وجهها بوضع الكاميرات
، مع إعلامهم بوجودها ، وما زاد على ذلك فهو من التجسس وتتبع العورات .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
“التجسس : طلب المعايب من الغير ، أي : أن الإنسان ينظر ، ويتصنت ، ويتسمع ، لعله
يسمع شرًّا من أخيه ، أو لعله ينظر سوءاً من أخيه ، والذي ينبغي للإنسان أن يُعرض
عن معايب الناس ، وأن لا يحرص على الاطلاع عليها … فلا ينبغي للإنسان أن يتجسس ،
بل يأخذ الناس على ظاهرهم ، ما لم يكن هناك قرينة تدل على خلاف ذلك الظاهر ” .
انتهى من ” تفسير سورة الحجرات ” (ص50 ، 51) .
وإذا كان الوعيد الشديد قد
جاء فيمن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون بأن يصب في أذنه الآنك [الرصاص المذاب]
، كما جاء في صحيح البخاري (7042) ، فكيف بمن جعل جهازا يصور هذا الموظف طيلة فترة
وجوده في مقر العمل ، فيتتبع حركاته وسكناته ، ويحتفظ بهذا التسجيل ، وقد يكون
الموظف خاليا ، أو مطمئنا إلى احتجابه عن أعين الناس ، فيتصرف تصرفا ليس محرما في
ذاته ، ولا مسقطا لمروءة من يصدر منه حال كونه خاليا ، أو بين أهله وولده ، لكنه
معيب مبتذل لمن يعمله أمام الناس ، فيستغل رب العمل هذا المقطع ، ويهدد الموظف
بنشره أو التشهير به أو يبتزه به ، إلى غير ذلك من المساوئ التي هي أشد من مجرد
الاستماع إلى حديث عابر بين شخصين يكرهان استماعه .
وإذا كان صاحب العمل لا يرضى
ذلك لنفسه أو لأحد من أولاده ، فعليه كذلك ألا يرضاه لغيره من الناس ، وقد قال صلى
الله عليه وسلم : (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ
الْجَنَّةَ ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ )
أخرجه مسلم (1844) .
ومن سوّغ لنفسه التجسس على
الناس وتتبع عوراتهم ، واختلق لذلك المبررات ، فهو مهدد بجزاء من جنس عمله ، بأن
يتتبع الله عورته ويفضحه ، كما جاء في الحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما
قَالَ : ” صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ
فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ ، فَقَالَ : ( يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ
وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ : لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا
تُعَيِّرُوهُمْ ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ
عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ : تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ
اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ ، وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ) . رواه الترمذي
(2032) ، وصححه الألباني .
والله أعلم .
