الجواب :
الحمد لله
أولاً:
نشكر لك – أخي السائل – حرصك على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ،
ونشكر لك سؤالك عن حكم موافقة المأمومين فيما تعودوا عليه ، وخيراً فعلت ؛ حيث يظن
بعض المتبعين للسنَّة أنهم ليسوا بحاجة لإرشاد ونصح في طريقة تعاملهم مع الناس !
وأنه حتى لو كان بتطبيقهم للسنَّة – التي يرونها راجحة – فتنة وتباغض قلوب وتفرق
المسلمين فإنهم لا يتوانون عن تطبيقها ، ولو ترتب عليها ما ترتب من فساد ! ولا شك
أن هذا خطأ ، وأنه ليس هو ما عليه أئمة أهل السنة قديماً وحديثاً كما سيأتي .
ثانياً:
لا شك أن الجهر بالبسملة في الفاتحة في الصلاة جائز ، وليس بدعة ولا حراماً ، ولكن
في أكثر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر بها بل كان يقرؤها سرّاً .
عن أنس رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ
رضى الله عنهما كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِـ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ) . رواه البخاري ( 743 ) .
وعند أحمد ( 12868 ) ” وكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ” .
وهذا مذهب الحنفية والحنابلة ، وخالفهم الشافعية فقالوا بسنيَّة الجهر بها .
ومع كون السنَّة الثابتة : عدم الجهر بالبسملة ؛ إلا أنه لا حرج من الجهر بها ،
خاصة عند من كان مذهبهم الجهر بها ، تأليفاً لقلوبهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –
رحمه الله – : ” ومع هذا : فالصواب : أن ما لا يُجهر به ، قد يشرع الجهر به لمصلحة
راجحة ، فيشرع للإمام – أحيانا – لمثل تعليم المأمومين ، ويسوغ للمصلين أن يجهروا
بالكلمات اليسيرة أحيانا ، ويسوغ أيضا أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب
واجتماع الكلمة ، خوفاً من التنفير عما يصلح ، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم
بناء البيت على قواعد إبراهيم ؛ لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية ، وخشي
تنفيرهم بذلك ، ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد
إبراهيم ، وقال ابن مسعود ، لما أكمل الصلاة خلف عثمان وأنكر عليه ، فقيل له في ذلك
، فقال : ” الخلاف شر ” ؛ ولهذا نص الأئمة كأحمد وغيره على ذلك بالبسملة ، وفي وصل
الوتر ، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول ؛ مراعاة ائتلاف
المأمومين أو لتعريفهم السنَّة وأمثال ذلك ” انتهى من ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 436
، 437 ) .
وقال – رحمه الله – أيضاً – : ” فترك الأفضل عنده لئلا ينفر الناس ، وكذلك لو كان
رجل يرى الجهر بالبسملة فأمَّ بقوم لا يستحبونه أو بالعكس ووافقهم : كان قد أحسن ”
.
انتهى من ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 268 ، 269 ) .
وسئل الشيخ محمد بن صالح
العثيمين – رحمه الله – :
ما حكم الجهر بالبسملة ؟ .
فأجاب : ” الراجح : أن الجهر بالبسملة لا ينبغي ، وأن السنَّة الإسرار بها ؛ لأنها
ليست من الفاتحة ، ولكن لو جهر بها أحياناً : فلا حرج ؛ بل قد قال بعض أهل العلم :
” إنه ينبغي أن يجهر بها أحياناً ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد روي عنه ” أنه
كان يجهر بها ” .
ولكن الثابت عنه صلى الله عليه وسلم ” أنه كان لا يجهر بها ” ، وهذا هو الأولى : أن
لا يجهر بها .
ولكن لو جهر بها تأليفاً لقوم مذهبهم الجهر : فأرجو أن لا يكون به بأس ” .
انتهى من ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 13 / 109 ) .
وعليه : فيجوز لك الجهر
بالبسملة لأولئك القوم إما دائما ، أو أحياناً ؛ لتحقيق مصلحة كبرى وهي ائتلافهم
واجتماعهم ووحدة كلمتهم ، ويمكنك استثمار هذا لتعليمهم ما هو أهم من مسائل الفقه
العملية وهو التوحيد ونواقضه والشرك ووسائله ، وبقاؤك مع الجهر بالبسملة خير – ولا
شك – للناس من تركك لهم ليحل محلك إمام جاهل يضل الناس ويجهلهم ويصرفهم عن العلم
الشرعي .
ثالثاً:
إن المداومة على سورٍ وآيات معينةٍ في صلواتٍ محددة مقتصراً عليها : لا يخلو الأمر
فيها من حالين :
الأول : أن يكونَ الشرعُ قد أثبتَ المداومة عليها ، كسورتي ” السجدة ” و ” الإنسان
” في صلاة الفجر من يوم الجمعة ، وعليه : فلا بأسَ من المداومةِ على ذلك في كلِّ
فجر جمعةٍ .
وينظر جواب السؤال رقم (121175)
.
الثاني : ألاَّ يكونَ الشرع قد أثبتَ المداومة عليها ، كأن يعيِّن الإمام قراءة آخر
سورة البقرة في المغربِ دائماً : فالسنَّةُ عدم مشروعيةِ المداومةِ ؛ لأن ذلك
مخالفٌ لهديه صلى الله عليه وسلم من التنوع في القراءة – وانظر جواب السؤال رقم (
148634 ) – وخشيةً
لاعتقاد الجهلةِ استحباب ذلك في كل مغربٍ ، فضلا عن وجوبه .
ومع كون هذا هو السنَّة فإنه لا مانع من قراءة ما اعتادوا عليه والمداومة على ذلك
لفترة من الوقت استعمالاً للسياسة الشرعية ؛ من أجل وحدة كلمة المصلين وعدم تفرقهم
، ومن أجل إغلاق الباب على من يأتي من أئمة البدع لإضلالهم ، ومن أجل تحبيبهم لك
وللمنهج العلمي الذي تسلكه لتصل بهم إلى حبِّ السنَّة والعمل بها ، وسيكون مع الوقت
ترك لتلك المداومة كما قد فعله غيرك من طلبة العلم في مثل حالك مع المخالفين
للسنَّة من المصلين .
وانظر جوابي السؤالين (
111223 ) (
152874 ) .
والله أعلم
