الجواب :
الحمد لله
أولا :
إطلاق القول بأن الله تعالى منزه عن المكان والزمان إطلاق لا يصح لأمرين :
الأول : أنه إطلاق لم ترد به سنة ، ولا هو معروف في كلام السلف .
الثاني : أنه إطلاق يوهم معنى فاسدا ، وغالب من يقرر ذلك الكلام ، ويستعمله يريد به
: نفي علو الله تعالى على خلقه ، واستوائه على عرشه ، فوق سمائه .
ولا شك أن نفي علو الله
وفوقيته على خلقه : اعتقاد باطل ، وهو من أعظم ما خالف فيه الجهمية ، ورد عليهم
السلف تلك الضلالة ، وقرروا أن اعتقاد ذلك : كفر برب العالمين ، مناقض لما تواترت
به النصوص الشرعية ، وإجماع السلف ، ومناقض لما هو من ضرورة العقل ، ومقتضى الفطرة
السليمة .
ثانيا :
مع غلبة إطلاق هذه العبارة في المعنى الباطل ، فلا مانع من سؤال قائلها عن مراده ،
لنبين له ما في مراده من المعنى الشرعي الصحيح ، أو المقصد البدعي المردود ، مع
التنبيه على المنع من مثل هذه الإطلاقات الموهمة في حق الله تعالى .
فإذا قال القائل ” ننزه الله
عن المكان ” قلنا له : ماذا تعني بذلك ؟
فإن قال : أعني به أن الله تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته .
قلنا له : هذا معنى صحيح نوافقك عليه ؛ إذ كيف يحيط بالله الأول والآخر ، والظاهر
والباطن : شيء من مخلوقاته ؛ بل الرب تعالى أعظم وأكبر من كل مخلوق ، قد وسع كرسيه
السموات والأرض ، فقد روى البخاري (4812) ، ومسلم (2787) عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ
وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ
مُلُوكُ الْأَرْضِ ؟ ) .
وإن قال : أعلم ذلك ، ولكني
أعني بالمكان ما وراء العالم من العلو ، فهو ينفي علو الله تعالى على خلقه .
قيل له : فهذا معنى فاسد باطل ، مناقض لصريح العقل ، وصحيح النقل .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه
الله :
” إن أراد بنفي المكان : المكان المحيط بالله – عز وجل – فهذا النفي صحيح ، فإن
الله تعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته ، وهو أعظم وأجل من أن يحيط به شيء ، كيف لا
( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) ؟ .
وإن أراد بنفي المكان : نفي
أن يكون الله تعالى في العلو ، فهذا النفي غير صحيح ، بل هو باطل بدلالة الكتاب
والسنة ، وإجماع السلف والعقل والفطرة .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للجارية : أين الله ؟ . قالت : في
السماء . قال لمالكها : ( أعتقها فإنها مؤمنة ) رواه مسلم (537) .
وكل من دعا الله عز وجل فإنه
لا ينصرف قلبه إلا إلى العلو ، هذه هي الفطرة التي فطر الله الخلق عليها ، لا ينصرف
عنها إلا من اجتالته الشياطين ، لا تجد أحدا يدعو الله عز وجل وهو سليم الفطرة ، ثم
ينصرف قلبه يمينا أو شمالا أو إلى أسفل ، أو لا ينصرف إلى جهة ، بل لا ينصرف قلبه
إلا إلى فوق ” انتهى من ” مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ” (1/196-197) .
وإن عنى بقوله هذا : أن الله
في كل مكان حيث لا يحصره مكان ، فهو قول باطل أيضا ، بل هو من أبطل قول ، قال علماء
اللجنة :
” من قال : إن الله في كل مكان بنفسه وذاته ، فهو حلولي خاطئ كافر ، ومن قال : إن
الله في كل مكان بعلمه لا بذاته فهو مصيب ” انتهى من ” فتاوى اللجنة الدائمة –
المجموعة الأولى ” (2 /38) .
وقال ابن القيم رحمه الله في
نونيته (295) :
والرب فوق العرش والكرسي لا * يخفى عليه خواطر الإنسان
لا تحصروه في مكان إذ تقو * لوا ربنا حقا بكل مكان
نزهتموه بجهلكم عن عرشه * وحصرتموه في مكان ثان
لا تعدموه بقولكم لا داخل * فينا ولا هو خارج الأكوان
راجعي إجابة السؤال رقم : (11035)
، والسؤال رقم : (124469) .
ثالثا :
ومثل ذلك : إطلاق القول بأن الله تعالى منزه عن الزمان ؛ فإن هذا لا يعرف أيضا في
كلام السلف ، ولا بد أن يستفسر من قائله ما يعني به ؟
فإن قال : أعني أن الله تعالى قبل كل شيء ، وبعد كل شيء ، قلنا له : هذا معنى صحيح
نوافقك عليه .
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم ما رواه مسلم (2713) : ( اللَّهُمَّ أَنْتَ
الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ
وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ
دُونَكَ شَيْءٌ … ) .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله
:
” الأول والظاهر هو الله وحده سبحانه , وهو الذي قبل كل شيء ، وبعد كل شيء سبحانه
وتعالى . وهو الظاهر فوق جميع خلقه , والباقي بعدهم ” انتهى من ” مجموع فتاوى ابن
باز ” (7 /292) .
وإن قال : أعني به نفي صفات
الرب التي تتعلق بالزمان ، وهو ما يطلق عليه : صفاته الفعلية ، أو أفعاله
الاختيارية ، كالاستواء ، والنزول ، والضحك ، والرضا والغضب ، ونحو ذلك مما يتعلق
بمشيئته سبحانه ، فيفعله متى شاء ، وإذا شاء ، ولا يفعله متى شاء وإذا شاء ؛ فنفى
ذلك الباب ، وزعم أن الله منزه عن الزمان .
قلنا له : هذا معنى باطل
فاسد لا نوافقك عليه ؛ لإجماع أهل السنة على إثبات صفة النزول للرب تعالى في ثلث
الليل الآخر ، كما ثبتت به النصوص ، على الوجه الذي يليق به سبحانه ، وطردوا هذا
الأصل فيما يشبه ذلك من الصفات الواردة في الباب كله .
والواجب عليك أيتها الأخت
المسلمة ألا تفتحي باب الوساوس والشبهات على نفسك ، وما دام الله قد من عليك
بالاعتقاد الصحيح ، فاجعلي نظرك وبحثك وتعلمك من كتب أهل السنة ، وعلمائها
المعروفين قديما وحديثا ، مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، وكتب شيخ
الإسلام محمد بن عبد الوهاب ومشايخ الدعوة أمثال الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين ،
وننصحك أيضا بالانتفاع بسلسلة : العقيدة في ضوء الكتاب والسنة ، لفضيلة الشيخ عمر
سليمان الأشقر – رحمه الله .
مع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، وسؤال الله العصمة منه ، والثبات على الدين
ومنهج أهل السنة والجماعة ، وتقوى الله في السر والعلن ، لا يتسلط عليك الشيطان
بوساوسه وشكوكه برحمة الله .
راجعي للفائدة إجابة السؤال رقم : (12315)
، والسؤال رقم : (39684) .
والله أعلم .
