السؤال :
من الأذكار النبوية الصحيحة ما يلي :
(أصبحنا على فطرة الإسلام وعلى كلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين) .
السؤال هو إذا كان الداعي مسلما عجميا غير عربي مثلى أنا ، فهل عليه أن يقول : (أبينا إبراهيم) أم يكتفي بقول (وعلى ملة إبراهيم) دون كلمة (أبينا) لأنه يعرف يقينا أنه ليس من ذرية إبراهيم عليه السلام؟
الجواب :
الحمد لله
روى
الإمام أحمد (14938) عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى رضي الله عنه عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا
أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى : (أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى
كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ)
وفي
رواية : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَي عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله
عنه قَالَ : (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يُعَلِّمُنَا إِذَا أَصْبَحْنَا : أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ
وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ) وَإِذَا أَمْسَيْنَا مِثْلَ ذَلِكَ .
رواه الطبراني في “الدعاء” (293) وعبد الله بن أحمد في “زوائد المسند” (20641)
وصححه الألباني في “الصحيحة” (2989) .
والمشروع في حق كل مسلم عربياً كان أم غير عربي أن يقول هذا الدعاء بلفظه : (أبينا
إبراهيم) وذلك للأسباب التالية :
1-
أن إبراهيم عليه السلام ليس أباً للعرب فقط ، بل هو أيضاً أبو بني إسرائيل ،
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام .
قال
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” إبراهيم أبو العرب وأبو الإسرائيليين ” انتهى .
“لقاء الباب المفتوح” (189 / 16).
2-
أن كل نبي هو بمنزلة الأب لأمته وأتباعه .
كما
قيل في قوله تعالى عن نبيه لوط عليه السلام : (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي
هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) هود / 78 . قال مجاهد : “لم تكن بناته ، ولكن كنَّ من أمّته
، وكل نبي أبُو أمَّته” . “تفسير الطبري” (15 /414) .
قال
ابن كثير :
“يرشدهم إلى نسائهم ، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد ، للرجال والنساء” انتهى .
“تفسير ابن كثير” (4/337) .
وقد
قرئ : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم )
قال
ابن كثير : ” روي عن أُبي بن كعب وابن عباس أنهما قرآ : (النبي أولى بالمؤمنين من
أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) ، وروي نحو هذا عن معاوية ومجاهد وعِكْرِمة
والحسن ” انتهى .
“تفسير ابن كثير” (6/381) ، وراجع : “الجامع لأحكام القرآن” (9/76) ، “فتح القدير”
(2/745).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
“وفي قراءة أبيّ : (وهو أب لهم) والقراءة المشهورة تدل على ذلك ؛ فإن نساءه إنما كن
أمهات المؤمنين تبعا له ، فلولا أنه كالأب لم يكن نساؤه كالأمهات” انتهى .
“منهاج السنة النبوية” (5/161) .
وقد
أمرنا الله تعالى باتباع ملته عليه السلام فقال تعالى : (ثُمَّ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ
الْمُشْرِكِينَ) النحل/123 ، فقال تعالى : (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) الحج/78 ،
فيكون إبراهيم عليه السلام كالأب لجميع المؤمنين ، عرباً كانوا أم غير عرب .
قال
القاري رحمه الله في ” المرقاة” (8 / 292)
“(وعلى ملة أبينا إبراهيم) وهو أبو العرب ؛ فإنهم من نسل إسماعيل ، ففيه تغليب ، أو
الأنبياء بمنزلة الآباء ؛ ولذا قال تعالى : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم
وأزواجه أمهاتهم) وفي قراءة شاذة : (وهو أب لهم)” انتهى .
3-أن إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء الذين جاءوا بعده .
قال
ابن كثير رحمه الله :
“لم
يبعث الله عَزَّ وجل بعده نبيا إلا من ذريته ، كما قال تعالى : (وَجَعَلْنَا فِي
ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) ، وقال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ)
انتهى .
“تفسير ابن كثير” (3 / 297).
وإبراهيم عليه السلام كان أمة جامعا للخير ، حنيفا ولم يك من المشركين ، والأنبياء
هم معلمو الخير لأممهم ، فناسب ذلك أن يكون أبو الأنبياء أباً لأممهم بهذا الاعتبار
، فهي أبوة الدين والتعليم .
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
“الشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح ، والوالد أب الجسم” انتهى .
“مدارج السالكين” (3 / 70).
وقال أيضا :
”
معلوم أن الإنسان يجب عليه أن يطيع معلمه الذي يدعوه إلى الخير ويأمره بما أمره
الله ولا يجوز له أن يطيع أباه في مخالفة هذا الداعي ؛ لأنه يدله على ما ينفعه
ويقربه إلى ربه ويحصل له باتباعه السعادة الأبدية ، فظهر فضل الأب الروحاني على
الأب الجثماني ، فهذا أبوه في الدين ، وذلك أبوه في الطين ! وأين هذا من هذا ؟ ”
انتهى .
“مختصر الفتاوى المصرية” (1/168) .
والخلاصة :
أن
كل مسلم يدعو بهذا الدعاء فإنه يقول : (ملة أبينا إبراهيم) اتباعاً للنبي صلى الله
عليه وسلم ، وإقراراً بحرمة إبراهيم عليه السلام وتعظيمه ، وإدراكاً لمعنى تلك
الأبوة الشرعية .
والله أعلم .
