الجواب :
الحمد لله
أولا :
لا شك أن النظر إلى النساء فتنة عظيمة ، وبلية كبيرة ، ومن تعلقت نفسه بالنساء ،
وبصره بالنظر إليهن ، وقلبه بمحبتهن : فهو ممن يتبع هواه، ولا يتقي الله ، (وَمَنْ
أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) القصص/50
فاتق الله ، وجاهد نفسك وهواك ، وما لا ترضاه لنفسك لا ترضاه لغيرك ، واحذر أن
تُبتلى في نساء أهل بيتك بما ابتُلي الناس به في نسائهم بك .
وجدد التوبة ، وأحسن الأوبة ، وحافظ على الصلوات المكتوبات ، واشغل نفسك بالحق
تنشغل عن الباطل ، وأكثر من ذكر الله ومن تلاوة القرآن ، وليكن لك حظ من قيام الليل
، وتضرع فيه إلى ربك ، وألح عليه في الدعاء ، كي يصرف عنك هذا البلاء ، فإنه من
أعظم البلاء وأشده على قلبه المرء ودينه .
ولا تيأس من رحمة الله ، وأحسن الظن به ، وأحسن العمل ، واستعن على إعفاف نفسك ،
وغض بصرك : بزوجتك الحلال ، والإكثار من الصوم ، مهما استطعت .
وانظر السؤال رقم : (3234) ، والسؤال رقم :
(111796)
.

ثانيا :
لا شك أن بغضك للسيئة وبغضك لفعلها من الإيمان ، كما روى الإمام أحمد في “مسنده”
(22159) عن أَبي أُمَامَةَ عن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (
إِذَا سَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ ، وَسَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ ) وصححه
الألباني في “الصحيحة” (550) .
ولكن من ساءته سيئته فتمادى فيها وأصر عليها ، غلبت عليه خسارته ؛ لأن المقصود أن
المؤمن تسوؤه السيئة ، فيتركها، وتسره الحسنة ، فيقبل عليها ، فيزداد إيمانا.
أما أن تسوءه السيئة ثم يقبل عليها : فهذا لا شك من الخسران .
فاستثمر بغضك للسيئة ، ومجاهدة نفسك فيها ، وما رأيت في منامك ؛ لتحسن التوبة ،
وتقبل على الله ، وتتقيه حق تقاته .

ونحن نرجو أن تكون الرؤيا
التي رأيت من الله تعالى ، فإنها رؤيا خير ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (
الرؤيا الصالحة من الله ) رواه البخاري (3292) ، ومسلم (2261) .
وما يراه المرء في منامه من نحو ذلك غالبا ما يكون من باب الإشارة والتنبيه
والدلالة على الشيء ؛ فلعل فيها إشارة لك إلى أن هذه المعصية هي من اتباعك خطوات
الشيطان وتزيينه لك ، والتغلب عليه أمر يسير ، ولكنه – فقط – يحتاج منك إلى إصرار
وعزيمة صادقة ، وسوف يعينك الله عليه .
وسواء كانت الرؤيا تدل على ذلك أم لا ؟
فهذا المعنى حق ، قد دل عليه القرآن الكريم والأحاديث النبوية .

فالذي ننصحك به هو مجاهدة
النفس والشيطان والتوبة إلى الله تعالى باستمرار ، فكلما أحدثت ذنبا ، فأحدث له
توبة وندما ، وعزما على عدم العودة إليه مرة أخرى ، فإن غلبك شيطانك ، وضعفت نفسك ،
ورجعت إلى الذنب مرة أخرى ، فتب إلى الله تعالى توبة أخرى … وهكذا .

ثالثا :
وأما كون صاحب المعاصي الكبار يكون محبا لله ورسوله .
فالجواب : نعم ، فكل مؤمن لابد أن يحب الله ورسوله ، وإذا خلا القلب من محبة الله
ورسوله ، فهذا ليس بمؤمن .
وقد روى البخاري (6780) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : ” أَنَّ رَجُلًا عَلَى
عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ
، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا ، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ
جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ ، فَقَالَ
رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ :
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَا تَلْعَنُوهُ ،
فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
“وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنِ ، وَإِنْ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي الْإِيمَانِ
وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ حُبٍّ وَغَيْرِهِ ” انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (35/66)
.
وقال أيضا في “منهاج السنة النبوية” (4/570) :
“ومن المعلوم أن كل مؤمن فلا بد أن يحب الله ورسوله ” انتهى .

ولكن هذا الإيمان إيمان ناقص
بما أتى به من المعاصي ، وهذه المحبة ـ من ثَمَّـ محبة ناقصة ، ولو كمل إيمانه
ومحبته لله ، لكان مطيعا لربه ، ونهى نفسه عن هواها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في “جامع الرسائل” (2/259) :
“فَكَمَا أَن الْمحبَّة الْوَاجِبَة تَسْتَلْزِم لفعل الْوَاجِبَات ، فكَمَال
الْمحبَّة المستحبة تَسْتَلْزِم لكَمَال فعل المستحبات ، والمعاصي تنقص الْمحبَّة ،
وَهَذَا معنى قَول الشبلى لما سُئِلَ عَن الْمحبَّة فَقَالَ : مَا غنت بِهِ
جَارِيَة فلَان :
تَعْصِي الْإِلَه وَأَنت تزْعم حبه … هَذَا محَال فِي الْقيَاس شنيع
لَو كَانَ حبك صَادِقا لأطعته … إِن الْمُحب لمن أحب مُطِيع
وَهَذَا كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي
وَهُوَ مُؤمن ، وَلَا يسرق السَّارِق حَيْثُ يسرق وَهُوَ مُؤمن ، وَلَا يشرب الْخمر
حِين يشْربهَا وَهُوَ مُؤمن)” انتهى .

ويخشى على العاصي المتمادي
في معصيته ، أن يزداد حبه للمعصية يوما بعد يوم ، ويقل حبه لله يوما بعد يوم ، حتى
يتلاشى من قلبه ، ويكون ذلك عقابا له على استمراره على المعصية .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في “فتح الباري” (12/78) تعليقا على الحديث المتقدم :
“فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد : …
أَنْ لَا تَنَافِيَ بَيْن اِرْتِكَاب النَّهْي ، وَثُبُوت مَحَبَّة اللَّه
وَرَسُوله فِي قَلْب الْمُرْتَكِب ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُوله ، مَعَ وُجُود مَا صَدَرَ
مِنْهُ . وَأَنَّ مَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْمَعْصِيَةُ ، لَا تُنْزَعُ مِنْهُ
مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُوله ….
وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون اِسْتِمْرَار ثُبُوت مَحَبَّة اللَّه وَرَسُوله فِي قَلْب
الْعَاصِي مُقَيَّدًا بِمَا إِذَا نَدِمَ عَلَى وُقُوع الْمَعْصِيَة ، وَأُقِيمَ
عَلَيْهِ الْحَدّ ، فَكَفَّرَ عَنْهُ الذَّنْبَ الْمَذْكُورَ ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ
يَقَع مِنْهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ بِتَكْرَارِ الذَّنْبِ ، أَنْ
يُطْبَع عَلَى قَلْبِهِ شَيْءٌ ، حَتَّى يُسْلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ ، نَسْأَلُ اللَّهَ
الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ” انتهى .
نسأل الله تعالى أن يوفقك للتوبة النصوح .
وانظر للفائدة السؤال رقم : (142392).

والله أعلم .