الجواب :
الحمد لله
من المزالق التي يوقع الشيطان بعض الناس فيها أن يجعله يترك الحق خشية الوقوع في
الباطل ، ويزهد في الفضيلة درءًا للرذيلة ، ويتباعد عن الخير لئلا يقع في الشر ،
وذلك نوع من الوسواس ويريد به الشيطان أن يثبط الإنسان عن الترقي في مدارج السالكين
، بدعوى كثرة الهالكين . والله عز وجل قد أمرنا بالتوكل عليه ، والتقدم في العمل
والاجتهاد فيه ، وهو سبحانه وتعالى يتقبل منا ويتجاوز عن تقصيرنا .

فالنصيحة لك أن لا تلتفت إلى
النماذج الفاشلة في تربية الأبناء كي لا تتسلط عليك صورتها فتعجز عن الانفكاك عنها
بعد ذلك ، ولكن أقبل على حياتك بنفس مطمئنة متفائلة ، وقد كان النبي صلى الله عليه
وسلم يعجبه التفاؤل ، ويحب الاستبشار بحصول الخير في هذه الدنيا ، وهديه عليه
الصلاة والسلام أكمل الهدي وأحسنه ، تزوج النساء ، وأنجب الأولاد ، وواجه عناء
الزوجية وتربية الأولاد ، فذلك خير للإنسان وأكثر ثوابا من كونه يمتنع من الزواج ،
فلا تخالف هديه عليه الصلاة والسلام .
ولتحرص على الاجتهاد في التربية الصالحة ، وتعلم أساليب التربية والاستكثار من
القراءة فيها كي تكون على بصيرة من أمرك ، فإذا نجحت في إنشاء الأسرة الصالحة
والأجيال المتعلمة المتأدبة بأخلاق النبوة فقد فزت الفوز العظيم ، ونلت الصدقة
الجارية التي تتنعم بها بعد موتك ، فعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : دخلت امرأة
معها ابنتان لها تسأل ، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرةٍ ، فأعطيتها إياها ، فقسمتها
بين ابنتيها ، ولم تأكل منها ، ثم قامت ، فخرجت ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم
علينا ، فأخبرته ، فقال : ( مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ
لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ ) رواه البخاري (1418) ، ومسلم (2629) .
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (
مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ ، وَأَطْعَمَهُنَّ ،
وَسَقَاهُنَّ ، وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ ، كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه ابن ماجه (3669) ، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه ”
.

قال العراقي رحمه الله : ”
المراد بالإحسان إليهن صيانتهن ، والقيام بما يصلحهن من نفقة وكسوة وغيرها ، والنظر
في أصلح الأحوال لهن ، وتعليمهن ما يجب تعليمه ، وتأديبهن وزجرهن عما لا يليق بهن ،
فكل ذلك من الإحسان ، وإن كان بنهر أو ضرب عند الاحتياج لذلك ، وينبغي للإنسان أن
يخلص نيته في ذلك ، ويقصد به وجه الله تعالى ، فالأعمال بالنيات ، ومن تمام الإحسان
أن لا يظهر بهن ضجرا ولا قلقا ولا كراهة ولا استثقالا ، فإن ذلك يكدر الإحسان .
قوله : ( كن له سترا من النار ) أي : كن سببا في أن يباعده الله من النار ، ويجيره
من دخولها ، ولا شك في أن من لم يدخل النار دخل الجنة ، فلا منزل سواهما ، ويدل
لذلك الرواية التي سقناها من عند مسلم أن الله قد أوجب لها بها الجنة .
وإنما خص البنات بذلك لضعف قوتهن ، وقلة حيلتهن ، وعدم استقلالهن ، واحتياجهن إلى
التحصين وزيادة كلفتهن ، والاستثقال بهن ، وكراهتهن من كثير من الناس ، بخلاف
الصبيان ، فإنهم يخالفونهن في جميع ذلك .
ويحتمل أن هذا خرج على واقعة مخصوصة ، فلا يكون له مفهوم ، ويكون الصبيان كذلك ”
انتهى من ” طرح التثريب ” (7/67) .

ولمزيد الفائدة ينظر إلى
جواب السؤال رقم : (82968) ، وجواب السؤال
رقم : (146150) .

والله أعلم .