الجواب :
الحمد لله
أما نحن فنصيحتنا لك أن لا تغادر زوجتك وطفلتك ، ولا تتركهما عرضة لكل مفسد طامع ،
أو تنشغل عن واجب رعايتهما والقيام عليهما بواجب آخر ، فطالب العلم أول ما يجب عليه
العناية به أهله وأسرته ، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين ، كما قال الله عز وجل
: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) الشعراء/214 .
وروى ابن ماجه (3658) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قَالُوا : يَا رَسُولَ
اللَّهِ ، مَنْ أَبَرُّ ؟ قَالَ : ( أُمَّكَ ) ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : (
أُمَّكَ ) ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ( أَبَاكَ ) ، قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟
قَالَ : ( الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى ) ، وصححه الألباني في ” صحيح سنن ابن ماجه ” .
ولم يكن طلب العلم يوما حاجزاً للمرء عن أهله وأولاده ، غير أن الزمان الماضي
كان يقتضي تقديم بعض التضحيات في هذا الشأن . أما اليوم ، وقد توفرت وسائل التواصل
، واتسعت أحوال الناس ، وفتح عليهم من نعيم الدنيا وزهرتها ، فأصبح من المتيسر جداً
أن يصحب طالب العلم زوجته وأولاده معه حيث يبحث عن العلم ، ومن يتخذ هذا القرار فلا
بد أن ييسر الله عز وجل أمره ، إذا احتسب عند الله ونوى أن يكتب الله لأهله الهداية
والتوفيق والسعادة ، فيقدم بذلك لهم أعظم معروف يمكن أن يقدَّم في هذه الحياة
الدنيا ، وهو الهداية ، بل طلب العلم إنما يراد للعمل به ، والدعوة إليه ، وأول ما
يكون في الزوجة والابنة ، ولعل أجره يفوق كثيرا من أجر طالب العلم الذي لا يرقب
الإخلاص لله ، ولا يحسن طريق التعلم ، فيكون علمه وبالا عليه والعياذ بالله .
فإن لم يتيسر لك اصطحاب الأهل ، فبإمكانك أن تنتسب لبرامج طلب العلم عبر الإنترنت ،
وهي برامج كثيرة والحمد لله ، بل أصبحت اليوم العديد من الجامعات تقدم شهاداتها
للمنتسبين الذين يتابعون المحاضرات عبر الإنترنت ، ويمكنك أن تستعين أيضا بالدورات
الصيفية التي تقدم البرامج النافعة لمدة قصيرة من المقبول أن تسافر إليها وحدك ،
وهي دورات قوية ونافعة جدا …
ثم هناك ما شئت من السلاسل العلمية وشروح الكتب المسجلة ، والمنشورة على شبكة
الإنترنت ، بإمكانك أن تحصلها ، وتتدارسها مع نفسك ، أو مع رفيق لك في مكان إقامتك
.
وهكذا فإن المهم في جميع ذلك العزيمة الثابتة والصبر والمصابرة على طلب العلم
وتحصيله ، والتفكر في أبوابه وحفظ مسائله ، فمن توفرت فيه تلك العزيمة لم تَحُل
دونه ودون التعلم الجبالُ الشم من الصعاب والمشاق ، ولكن الضعيف في ظننا هو الذي
يتعذر دائما بعدم القدرة على الجمع بين طلب العلم والإحسان إلى الأهل ، أو بين طلب
العلم وطلب المعاش .
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ ) رواه مسلم
(996) .
وإن كنت قد رأيت في بعض تراجم العلماء من قدَّم السفر لطلب العلم على شأن الزوجة
والأبناء ، فذلك لما اقتضاه زمانهم من ضرورة السفر لتحصيل العلم ، الذي كان في
الأساس هو الرواية والحديث ، ولا يمكن للطالب أن يتحصل عليها في بلده ، أما اليوم
فاختلف الأمر جدا ، وصار العلم هو الفهم والفكر ، إلى جانب الدرس والحفظ ، وكل ذلك
يمكن أن يتحقق كما ذكرنا لك بالاجتهاد في المطالعة والمذاكرة ، إلى جانب السفر
المؤقت إلى لقاء العلماء ، ومتابعة إنتاجهم عبر وسائل التواصل الحديثة ، وأكثر
العلماء وطلبة العلم الذين نعرفهم لم يلجؤوا إلى ما تهم به من تطليق الزوجة وفراق
الابنة ، بل جمعوا بين التعلم وإسعاد أسرهم ، وصاروا بحرصهم واجتهادهم من العلماء
العاملين والحمد لله .
ومن يدري ، لعل الله أن ينفع بك زوجتك ، ويشرح صدرها ، ويقر عينك بإسلامها .
فإياك أن تقع في أبغض الحلال الطلاق ، وفي فراق الأولاد أحوج ما يكونون إليك ،
في سبيل أمر له من البدائل والخيارات الكثيرة والحمد لله .
والله أعلم .
