السؤال:
أود أن أعرف ما هو رأي الإسلام في الليبرالية ، وما أقصد الصورة التي يرسلها الأشخاص ، أقصد المعنى والمبدأ نفسه ؟


الجواب :

الحمد لله

أولا : مقدمة في تعريف الليبرالية ونشأتها

الليبرالية مصطلح أجنبي معرب مأخوذ من
(Liberalism)

في الإنجليزية ، وهي تعني ” التحررية “. وهي مذهب فكري يركز على الحرية الفردية ،
ويرى وجوب احترام استقلال الأفراد ، ويعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة هي حماية
حريات المواطنين ، مثل حرية التفكير ، والتعبير ، والملكية الخاصة ، والحرية
الشخصية وغيرها. 

ولهذا يسعى هذا المذهب إلى وضع القيود على السلطة ، وتقليل دورها ، وإبعاد الحكومة
عن السوق ، وتوسيع الحريات المدنية. 

ويقوم هذا المذهب على أساس علماني يعظم الإنسان ، ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك
احتياجاته .

تقول ” الموسوعة الأمريكية الأكاديمية “: إن النظام الليبرالي الجديد ( الذي ارتسم
في فكر عصر التنوير ) بدأ يضع الإنسان بدلا من الإله في وسط الأشياء ، فالناس
بعقولهم المفكرة يمكنهم أن يفهموا كل شيء ، ويمكنهم أن يطوروا أنفسهم ومجتمعاتهم ،
عبر فعل نظامي وعقلاني
.

ويقول جميل صليبا : مذهب الحرية
(Liberalism)

مذهب سياسي فلسفي ، يقرر أن وحدة الدين ليست ضرورية للتنظيم الاجتماعي الصالح ، وأن
القانون يجب أن يكفل حرية الرأي والاعتقاد
.

نشأت الليبرالية كردة فعل غير واعية بذاتها ، ضد مظالم الكنيسة والإقطاع ، ثم تشكلت
في كل بلد بصورة خاصة ، وكانت وراء الثورات الكبرى في العالم الغربي ( الثورة
الإنجليزية ، والأمريكية ، والفرنسية )، ولكن نقاط الالتقاء لم تكن واضحة بدرجة
كافية ، وهذا يتبين من تعدد اتجاهاتها وتياراتها

.

تقول الموسوعة البريطانية : نادراً ما توجد حركة ليبرالية لم يصبها الغموض ، بل إن
بعضها تنهار بسببه
.

وإذا ذكر اسم ” الليبرالية ” فإنه – كما يقول رسل – : تسمية أقرب إلى الغموض ،
يستطيع المرء أن يدرك في ثناياها عددا من السمات المتميزة
.

ومن أهم أسباب غموض مصطلح الليبرالية غموض مبدأ الحرية ، فكثرة كلام الناس فيه ، لا
يمكن تحديده وضبطه ، لأن أصحاب الأفكار المختلفة في الحرية الليبرالية يعتمد كل
واحد منهم على ” الحرية ” في الوصول لفكرته…….

وقد خرجت أفكار مضادة لليبرالية ، من رحم الحرية التي تعتبر المكون الأساسي
لليبرالية ، مثل الفاشية ، والنازية ، والشيوعية ، فكل واحدة من هذه المذاهب تنادي
بالحرية ، وتعتبر نفسها الممثل الشرعي لعصر التنوير ، وتتهم غيرها بأنه ضد الحرية. 

وقد حصل التنازع بين اتجاهات الليبرالية في تكييف ” الحرية “، والبرامج المحققة لها
، ومن هذا المنطلق جاء المفهوم السلبي ، والمفهوم الإيجابي للحرية. 

ثانيا : تسلل الليبرالية إلى الفكر الإسلامي

كل المذاهب التي ظهرت في أوروبا في العصر الحديث : خرجت من الفكر العقلاني الذي
يعتقد باستقلال العقل في إدراك المصالح الإنسانية في كل أمر ، دون الحاجة إلى الدين. 

فالليبرالية حقيقة مركبة تركيبا تاما من ” الحرية الفردية العقلانية “، ولكون هذه
الأسس المكونة لحقيقتها مجملة ، تعددت تصورات الليبراليين في تفصيلاتها الفكرية ،
فضلا عن آثارها العملية ، والطريقة التطبيقية أثناء العمل السياسي أو الاقتصادي
.

ونلاحظ : أن الاعتماد على العقل ، وتحييد الدين : جاء بصورة متدرجة ، ولكنه استحكم
في عصر التنوير ، وزاد ترسيخه كمصدر وحيد للمعرفة في القرن التاسع عشر ، الذي هو
قمة الهرم الليبرالي .

وقد أصبح الاعتماد على العقل المجرد ، وإقصاء الدين والقيم والأخلاق : سمة من أبرز
سمات الفكر الأوروبي المعاصر .

تسللت الليبرالية إلى البلاد الإسلامية من خلال ” الجمعيات السرية ” التي كونها
أفراد تأثروا بالفكر الغربي وانبهروا بحضارته المادية. وقد كانت بقية الأمة
الإسلامية ثابتة على دينها لا تحتاج إلى الأفكار والنظم الغربية ، وهي معتزة بدينها
، واثقة بصحته وصلاحيته للحكم والعمل في كل زمان ومكان
.

ولكن وجدت عوامل أضعفت ثقة الأمة بدينها ، وهيأت المجتمع الإسلامي لتقبل الليبرالية
وعدم مقاومتها .

وهذه العوامل هي : الانحراف العقدي ، والاستبداد السياسي ، والجمود والتقليد .

وهي ليست أسبابا مباشرة في وجود الليبرالية ، ولكن هذه العوامل أوجدت أرضية متقبلة
، ومناخا مناسبا للرضى بالليبرالية ، والسكوت عليها. 

ولا شك أن السبب المباشر لدخول الليبرالية في العالم الإسلامي هو ” الاستعمار
وأذنابه ” من دعاة التغريب ، والمنبهرين بالحضارة الغربية ، ولكن دخولها لم يكن له
أن يتم ، لولا وجود عوامل معينة ساعدت على عدم الوقوف الجاد في وجه هذه الأفكار
الإلحادية .

ويجمع هذه العوامل ” الانحراف “، وقد تم هذا الانحراف على يد الفرق الضالة كالمرجئة
والصوفية ودعاة المذهبية ، فهذه الانحرافات ساعدت على وجود الفكر الليبرالي عندما
قدم مع الاستعمار ، وقد استغل المستعمرون هذه الانحرافات أبشع استغلال ، ووظفوها في
خدمة أهدافهم. 

ولما احتلت بلاد المسلمين فرضت الليبرالية عليها في النظام السياسي والاقتصادي ،
ولما رأى الاحتلال عدم تقبل المسلمين لأي أمر غير مرتبط بالإسلام جاء بفكرة ” تطوير
الإسلام وتحديثه “، ومن هذه الفكرة خرج ” مشروع الإسلام الليبرالي
“.

ثالثا : أفكار الليبرالية وعقائدها


تقديس العقل في مقابل التهوين من شأن النصوص .


تقديم المصلحة المتوهمة على النص

؛ حيث
اعتقدوا أن العقل له الصلاحية الكاملة والأهلية التامة في أن يستقل بإدراك المصالح
والمفاسد ، بعيدا عن نور الوحي .

3ـ دعوى تعدد قراءات النص الواحد؛ فالفلسفة المعاصرة أخذت في بعض تقاريرها بهذا
المذهب الفاسد ، فصححوا كل الأديان والمذاهب الباطلة ، ولم يجعلوا لنصوص القرآن
والسنة منزلة ولا حرمة .

4.
القطيعة التامة مع
مصادر التلقي والاستدلال عند المسلمين والتزهيد , بل التشويه المتعمد للتراث
الإسلامي عقيدة وشريعة
 .

5. إحياء التراث الفلسفي والعقلي ، على حساب التراث النقلي .

6. الهزيمة النفسية أمام الأعداء من خلال إلغاء أصول الولاء والبراء ، وقواعد
الجهاد ، والترويج بأن المسلمين متخلفون , ولا يمكن أن يتقدموا أبدا .

7. طمس معالم
الأخلاق الإسلامية , وذلك عن طريق الانحلال والتفسخ الأخلاقي

8. إقصاء الشريعة عن الحكم وعزلها عن الحياة , وحصرها في نطاق المسجد والعبادات
الشخصية , وهو ما يعرف بـ (العلمانية) أو اللادينية .

فالدعوة الليبرالية في حقيقتها هي : العلمانية

, وإن وجد فاصل بينهم فهو رقيق جدا ، وكأنهما وجهان لعملة واحدة ، واسمان لمسمى
واحد.

ما سبق جميعه باختصار من

” موسوعة المذاهب الفكرية المعاصرة ”
في موقع ” الدرر
السنية “:


http://www.dorar.net/enc/mazahib/238

رابعا : الحكم الشرعي لهذا المذهب الفكري

ومما سبق يتبين لنا أن الليبرالية بهذا المفهوم الذي يشرحه المفكرون والمؤرخون ،
تشتمل على الكثير مما يخالف الإسلام .

وقد سئل فضيلة الشيخ صالح الفوزان السؤال الآتي :

ما قول فضيلتكم في الدعوة إلى الفكر الليبرالي في البلاد الإسلامية . وهو الفكر
الذي يدعو إلى الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي ، فيساوي بين المسلم
والكافر بدعوى التعددية ، ويجعل لكل فرد حريته الشخصية التي لا تخضع لقيود الشريعة
كما زعموا ، ويحاد بعض الأحكام الشرعية التي تناقضه ؛ كالأحكام المتعلقة بالمرأة ،
أو بالعلاقة مع الكفار ، أو بإنكار المنكر ، أو أحكام الجهاد .. الخ الأحكام التي
يرى فيها مناقضة لليبرالية . وهل يجوز للمسلم أن يقول : ( أنا مسلم ليبرالي ) . وما
نصيحتكم له ولأمثاله ؟

فأجاب بقوله :

المسلم هو المسلم لله بالتوحيد ، المنقاد له بالطاعة ، المتبرئ من الشرك وأهله .

فالذي يريد الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي : هذا متمرد على شرع الله ،
يريد حكم الجاهلية وحكم الطاغوت ، فلا يكون مسلماً .

والذي ينكر ما علم من الدين بالضرورة ، من الفرق بين المسلم والكافر ، ويريد الحرية
التي لا تخضع لقيود الشريعة ، وينكر الأحكام الشرعية من الأحكام الشرعية الخاصة
بالمرأة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومشروعية الجهاد في سبيل الله : هذا
قد ارتكب عدة نواقض من نواقض الإسلام ، نسأل الله العافية .

والذي يقول : ( إنه مسلم ليبرالي ) : متناقض إذا أريد بالليبرالية ما ذُكر ، فعليه
أن يتوب إلى الله من هذه الأفكار ليكون مسلماً حقا ” انتهى من الرابط الآتي :


http://www.alfawzan.af.org.sa/node/2350

وانظر أيضا :


http://www.alfawzan.af.org.sa/node/2349


http://www.alfawzan.af.org.sa/node/9919

والله أعلم