السؤال:
ذكرتم في الفتوى رقم 115246 ما نصه ” وقال الخلال : كلهم حكوا عن أبي عبد الله فيمن ترك مسحهما عامدا أو ناسيا , أنه يجزئه ; وذلك لأنهما تبع للرأس , لا يفهم من إطلاق اسم الرأس دخولهما فيه , ولا يشبهان بقية أجزاء الرأس , ولذلك لم يجزه مسحهما عن مسحه عند من اجتزأ بمسح بعضه ” .
ما السبب وراء فتوى الإمام أحمد هذه ، مع أن أصل مذهبه ينص على وجوب مسح الأذنين ؟

الجواب :
الحمد لله
أولاً :
قد ينقل عن الإمام الواحد كالأئمة الأربعة وغيرهم عدة اجتهادات في المسألة الواحدة
، وهنا يختلف أصحابه وأتباعه في اختيار أحد هذه الأقوال والاجتهادات ، ووصفه بأنه
هو مذهب الإمام ، ولهم في ذلك قواعد وضوابط ، فيحاولون الجمع بين الأقوال أولا ،
فإن تعذر وعُلم التاريخ ، فبعضهم يجعل القول الأخير هو المذهب ، وبعضهم يجعل الأول
، فإن لم يعلم التاريخ ، فإنه يرجح بين الأقوال ، ومن طرق الترجيح : أن القول
الموافق لقواعد المذهب هو المذهب .
قال ابن بدران رحمه الله :
” وَقد يكون لَهُ (يعني : الإمام أحمد) فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة رِوَايَات ،
ثمَّ إِنَّك تنظر فِي كتب الْأَصْحَاب فتجد غالبها مَبْنِيا على قَول وَاحِد ،
وَرِوَايَة وَاحِدَة أخذك الشوق إِلَى أَن تعلم كَيفَ كَانَ تصرف الْأَصْحَاب فِي
ذَلِك ؟ وَمَا هِيَ طَريقَة المرجحين لإحدى الرِّوَايَات على الْأُخْرَى … .
لَا يخفاك أَن الْأَصْحَاب أخذُوا مَذْهَب أَحْمد من أَقْوَاله ، وأفعاله ، وأجوبته
، وَغير ذَلِك ؛ فَكَانُوا إِذا وجدوا عَن الإِمَام فِي مَسْأَلَة قَوْلَيْنِ :
عدلوا أَولا إِلَى الْجمع بَينهمَا بطريقة من طرق الْأُصُول ، إِمَّا بحمل عَام على
خَاص ، أَو مُطلق على مُقَيّد ، فَإِذا أمكن ذَلِك : كَانَ الْقَوْلَانِ مذْهبه .

وَإِن تعذر الْجمع بَينهمَا وَعلم التَّارِيخ ، فَاخْتلف الْأَصْحَاب : فَقَالَ قوم
: الثَّانِي مَذْهَب … وَقَالَت طَائِفَة : الأول ، وَلَو رَجَعَ عَنهُ …
فَإِن جهل التَّارِيخ ، فالمذهب أقرب الْأَقْوَال من الْأَدِلَّة ، أَو قَوَاعِد
مذْهبه ” انتهى من ” المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ” (ص/126) .
وانظر: “المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل” (1/291) للشيخ بكر أبو زيد
رحمه الله .

ولهذا يفرق بين المذهب الاصطلاحي ، والمذهب الشخصي .
فالمذهب الاصطلاحي للإمام : هو ما اختاره أصحابه ، وعولوا عليه ، وجعلوه هو المذهب
، وقد يكون الإمام أفتى بخلافه ، أو لم ينقل عنه قول في هذه المسألة بعينها .
أما المذهب الشخصي : فهو نص الإمام ، واختياره الشخصي .
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :
“وهناك فرق بين المذهب الشخصي الذي يدين به الإمام لله عزّ وجل ، وبين المذهب
الاصطلاحي :
فالمذهب الاصطلاحي : قد لا يكون الإمام قاله، أو قال بخلافه، وهو ما اصطلح عليه
أتباع هذا الإمام أن يكون هو مذهبهم، مثل أن يختاره أئمة من أتباعه، ويقولون: إذا
اتفق فلان وفلان من أئمة أتباعه على كذا فهو المذهب، أو إذا كان أكثر الأتباع على
هذا فهو المذهب، لكن المذهب الشخصي يختلف ، فهو ما يدين به لله عزّ وجل، وقد يكون
موافقاً لما قيل: إنه المذهب اصطلاحاً، وقد يكون مخالفاً” انتهى .
الشرح الممتع (12/41) .
ثانياً :
مسألة مسح الأذنين في الوضوء ، تعد من تلك المسائل التي تعددت فيها الروايات عن
الإمام أحمد رحمه الله .
فقد جاء في ” مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ” (ص/14) :
” قُلْتُ لِأَحْمَدَ : إِذَا تَرَكَ مَسْحَ أُذُنَيْهِ نَاسِيًا يُعِيدُ الْوُضُوءَ
؟ قَالَ لَا ؛ لِأَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ ، قُلْتُ : إِذَا تَرَكَهُ
مُتَعَمِّدًا ؟ قَالَ : هَذَا أَخْشَى أَنْ يَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يُعِيدَ ” انتهى .
وذكر المرداوي رحمه الله روايتين عن الإمام أحمد في وجوب مسح الأذنين ، فقال :
“إحْدَاهُمَا : لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا بَلْ يُسْتَحَبُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ،
قَالَ الزَّرْكَشِيّ : وَهِيَ الْأَشْهَرُ نَقْلًا” . ثم ذكر من اختارها من علماء
الحنابلة ، ثم قال : “وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : يَجِبُ مَسْحُهُمَا ، نَصَّ
عَلَيْهِ ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ . انْتَهَى” ثم ذكر من
اختارها أيضا ثم قال : “وهو المذهب على المصطلح” انتهى من ” تصحيح الفروع ” (1/181)
.

وبناء على هذا ؛ فمذهب الإمام أحمد الاصطلاحي ، وهو ما اختاره أكثر
أصحابه : هو وجوب مسح الأذنين في الوضوء .
وهذا لا يمنع أن يكون للإمام أحمد قول آخر في المسألة .

والله أعلم .