الجواب :
الحمد لله
مِن محاسن ديننا العظيم أنه جاء بالحسنى إلى العالم أجمع ، ونزل بالرحمة إلى الخلق
كلهم ، دعانا إلى أن نكون رسل سلام وعدل لجميع البشر ، إلا من تلطخت أيديهم بدماء
المسلمين واضطهاد المستضعفين .
قال سبحانه : ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي
الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا
إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الممتحنة/8 .
ومن هذه المنطلقات يمكن للموظف المسلم معاملة مديره أو زميله غير المسلم بكل ما فيه
خير وبر وإحسان لهم .
وأول ذلك : إتقان العمل وإنجاز المهام الموكولة إليه بصدق وأمانة ، كي تزول الصورة
النمطية القائمة في أذهان الكثيرين ، أن غير المسلمين هم الأفضل دائما في الأداء
والإتقان ، وأن المسلمين يتصفون بالتقصير والإهمال . هذا رغم ما ورد في الكتاب
والسنة من الحث على حفظ الأمانة ، ولو اختلفت ديانة المؤتمِن ، كما قال عليه الصلاة
والسلام : ( أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ
) رواه أبو داود (3534) ، وصححه الألباني في ” سنن صحيح أبي داود ” .
ومن صور الإحسان إليهم :
تحيتهم بكل كلام يمكن أن تُحسن به إليهم ، كتحية الصباح والمساء والسؤال عن الحال
والأهل والأبناء ، والدعاء بالتوفيق والسعادة والخير ، والثناء على خصال الخير في
هذا الكافر ، ونحو ذلك من جميل الملاطفات ، ولطيف المجاملات .
فلا تظنن أن منع البدء
بالسلام : يعني تحريم التحية بالصيغ الأخرى ؛ فالسلام اسم من أسماء الله تعالى ، له
من الخصوصية الدينية ما يقتضي حصر البداءة به بين المسلمين ، أما غير السلام من
كلمات التحية ، مثل : مرحبًا ، وصباحكم سعيد ، وأهلا وسهلا ، فلا تقاس على كلمة ”
السلام عليكم ” .
جاء في ” المجموع ” (4/487)
للإمام النووي : ” أن يقول : هداك الله ، أو أنعم الله صباحك ، هذا لا بأس به ، إن
احتاج إلى تحيته لدفع شره أو نحوه . فيقول : صبحك الله بالخير ، أو بالسعادة ، أو
بالعافية ، أو بالمسرة ، ونحوه ” انتهى .
وجاء في ” فتاوى اللجنة
الدائمة – المجموعة الأولى ” (3/ 434):
” لا يجوز بداءة الكافر بالسلام ؛ لما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام ، فإذا لقيتم
أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه ) رواه مسلم . وفي حديث أنس رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم )
رواه البخاري ومسلم .
فيرد عليهم بما دل عليه الحديث ، وهو أن يقال : وعليكم .
ولا بأس أن يقول للكافر ابتداء : كيف حالك ، كيف أصبحت ، كيف أمسيت ، ونحو ذلك إذا
دعت الحاجة إلى ذلك ، صرح بذلك جمع من أهل العلم ، منهم أبو العباس شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله ” انتهى .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه
الله :
” بعض العلماء يقول : إنك إذا قلت : صباح الخير ، أو مرحباً بفلان ، فهذا ليس بسلام
؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : ( لا تبدءوهم بالسلام ) والسلام دعاء ،
بخلاف مرحباً بفلان ، أهلاً بفلان ، فهذا تحية ، ولكنه ليس سلاماً ” انتهى من ”
لقاء الباب المفتوح ” .
وبهذا تعلم أن لا تعارض بين
منع البدء بالسلام ، وبين أخلاق المسلمين التي نشروا بها الإسلام في الأرض .
ومن صور الإحسان في المعاملة
، والبر بهم : مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم الدنيوية ، أما أفراحهم الدينية المتمثلة
في أعيادهم فتجتنبها ، وما سوى ذلك فلا بأس عليك في مشاركتهم وزيارتهم والاتصال بهم
للتهنئة أو التعزية ، كأحوال النجاح ، أو الرجوع من سفر ، أو الشفاء من مرض ، أو
وفاة قريب أو عزيز ، فإن لمثل هذا التواصل الأثر النافذ في القلب ولا شك ، وبمثله
تثبت لهم الجوانب الإنسانية الرحيمة في ديننا الكريم ، وتستغلها في الدعوة إلى
الإسلام .
روى البخاري (1356) عن أنس
بن مالك رضي الله عنه : أَنَّ غُلَامًا مِنَ اليَهُودِ كَانَ يَخدُمُ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ ، فَقَالَ : ( أَسلِم ) ،
فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَ رَأسِهِ ، فَقَالَ لَه : أَطِع أَبَا
القَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ . فَأَسلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَقُولُ : ( الحَمدُ لِلَّهِ الذِي
أَنقَذَهُ مِنَ النَّارِ ) .
ومن الإحسان إليهم : اجتناب
الأخلاق السيئة التي تكثر بين الموظفين في الشركة الواحدة ، والحرص على أن تكون
مثالا لخلق المسلم الذي يحب أن يدعو الناس إليه ، ويدلهم عليه ، ولا يكون فتنة
لغيره ، يقولون : هذا هو الإسلام ، وهؤلاء هم أهله .
ومن صور المعاملة الحسنة :
منحهم مكانتهم اللائقة بهم ، وتقدير منزلتهم في العمل أو في قومهم ، فالمدير منهم
يخاطب بلقبه الوظيفي اللائق به ، والزميل منهم كذلك ، فقد سمى النبي صلى الله عليه
وسلم هرقل في كتابه بأنه ( عظيم الروم ) رواه البخاري (7) ،
ومسلم (1773) .
ومن ذلك : قبول شفاعة أهل
الخير والإحسان والمنزلة فيهم ، فيما لا مضرة فيه على أحد ، فقبول شفاعة غير المسلم
جائزة ، لاسيما إن كانت له هيئة ومكانة ومنزلة في قومه ، ولعل هذا أن يكون أرجى
لإسلامه ، أو إسلام من وراءه ؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عن
الأسرى والقتلى : ( لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِىٍّ حَيًّا ، ثُمَّ كَلَّمَنِي
فِى هَؤُلاَءِ النَّتْنَى ، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ ) رواه البخاري (3139) ، لأنه كان
أجار النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف ، وهو الذي أمر بتمزيق الصحيفة
التي حاصرت بني هاشم .
ومن ذلك التهادي بين المسلم
والكافر ، فقد قبل عليه الصلاة والسلام الهدايا التي وردته من ملوك العرب والعجم ،
وألبس ثوبه عبد الله بنَ أبي بن سلول ، وكفَّنه فيه حين مات ؛ لأنه قد كسى العباس
بن عبد المطلب يوم بدر وهو أسير عريان ، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .
وأهدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأخيه المشرك في مكة حلة أهداها إليه النبي صلى
الله عليه وسلم ، رواه البخاري (2619) .
ومن أعظم الإحسان إلى الناس
: العفو عنهم إذا أخطؤوا أو أساؤوا ، ما لم يكن على المسلم في ذلك غضاضة ولا مهانة
، بل كان في ذلك ظهور كرمه وإحسانه ، كما عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن أذى
المشركين له ، وقد صبر عليهم طويلا ، ثم أمكنه الله منهم ، وفتح عليه مكة ، فما
انتقم لنفسه قط ، صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام القرافي رحمه
الله :
” أما ما أمر به من برهم ، ومن غير مودة باطنية ، فالرفق بضعيفهم ، وسد خلة فقيرهم
، وإطعام جائعهم ، وإكساء عاريهم ، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم والرحمة ، لا
على سبيل الخوف والذلة ، واحتمال إذايتهم في الجوار ، مع القدرة على إزالته ، لطفا
منا بهم ، لا خوفا وتعظيما ، والدعاء لهم بالهداية ، وأن يجعلوا من أهل السعادة ،
ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم ودنياهم ، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم ،
وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم ، وأن يعانوا على دفع الظلم
عنهم ، وإيصالهم لجميع حقوقهم ، وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ، ومن
العدو أن يفعله مع عدوه ، فإن ذلك من مكارم الأخلاق .
فجميع ما نفعله معهم من ذلك ينبغي أن يكون من هذا القبيل ، لا على وجه العزة
والجلالة منا ، ولا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم ” انتهى من
” الفروق ” (3/15) .
وجاء في ” فتاوى اللجنة
الدائمة – المجموعة الأولى ” (2/94) :
” الطريقة المثلى في معاملة المسلمين للذمي : الوفاء له بذمته ؛ للآيات والأحاديث
التي أمرت بالوفاء بالعهد ، وبره ومعاملته بالعدل ، بقوله تعالى : ( لا يَنْهَاكُمُ
اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ
مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ ) ولين القول معه ، والإحسان إليه عموما إلا فيما منع منه الشرع ،
كبدئه بالسلام ، وتزويجه المسلمة ، وتوريثه من المسلم ، ونحو ذلك مما ورد النص
بمنعه ، وارجع في تفصيل الموضوع إلى كتاب [ أحكام أهل الذمة ] للعلامة ابن قيم
الجوزية رحمه الله ، وكلام غيره من أهل العلم في ذلك ” انتهى .
والله أعلم .
